في أي مكان من العالم يجب أن يكون موقع جثمان زعيم البروليتاريا العالمية إذا لم يكن في روسيا؟ إن وضع هذا السؤال بهذا الشكل الآن أكثر ما يذكرنا بخيمة سيرك هزلي، لكن الفرق هنا أن اللاعبين هم سياسيون وشخصيات اجتماعية روسية وغير روسية.

مع كل ذلك من الصعب تصور مكان مناسب في العالم كله لجثمان فلاديمير لينين أكثر من المكان الحالي في الساحة الحمراء في العاصمة الروسية، هذا المكان التاريخي الذي أصبح بشكل أو آخر بطاقة تعريفية للبلد كله، ولموسكو على وجه الخصوص، يزوره كل من يصل إليها سواء أكان مواطنا روسيا أم سائحا أجنبيا. لكن المشاكل بدأت تلف هذا المكان من جديد مثيرة المسألة مرة أخرى بعد أن طرحت بقوة من قبل الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين عندما كان على قيد الحياة، لكنه لم يستطع فعل ذلك رغم تصميمه نظراً للمعارضة الشعبية الواسعة.

هذه المرة تم طرح المسألة على شكل سؤال «هل من الضروري أم من غير الضروري مواراة جثمان لينين الثرى؟». عاد يطفو على السطح من جديد وبشكل مفاجئ موضوع مواراة جثمان لينين الثرى. ولو أن إعادة دفنه قد تحصل بشكل محتشم وهادئ بدون أية ضجة لكان القول إن الفنان نيكيتا ميخالكوف على حق بالنسبة لتنفيذ وصية لينين نفسه بأن يدفن في مقبرة مدينة سان بطرسبورغ. لكن صدى هذا المطلب سيكون سببا لمعارضة شعبية قوية من جديد، وربما ستكون عنيفة ليس على مستوى موسكو بل على مستوى روسيا عموما.

فهناك رأي يقول: إن للبعض مصلحة في إشغال الناس كي ينسوا أمورهم وحاجاتهم الرئيسية ومشاكلهم اليومية مرة بالاستفتاء العام حول «هل من الضروري أم من غير الضروري مواراة جثمان لينين الثرى»، ومرة أخرى من خلال المطالبة المباشرة بدفنه، وأمور كثيرة أخرى. وبدأ هذا السؤال مؤخراً يدخل دائرة الفضاء السياسي العام، إذ دخل في دوائر مناقشة هذه المسألة ليس فقط الشيوعيون ولكن تيارات سياسية أخرى تمثل توجهات سياسية وأطيافاً اجتماعية مختلفة.

في هذه الأجواء المشحونة على أكثر من صعيد تحولت المسائل الرئيسية التي تهم الغالبية العظمى من الناس إلى المرتبة الثانية من حيث الأهمية بالنسبة لأكثر التيارات السياسية، لأن الحديث في هذه الأوساط قد تحول إلى آخر أكثر دعائية في الوسط السياسي، حيث مؤيدو فكرة دفن رفاة لينين قدموا أفكارهم إلى منافسيهم بلا تعب محاولين تخطي بعضهم البعض في الوطنية.

الشيء المذهل في الوضع الحالي هو ردة فعل الأميركان السريعة، والمتعلقة بالآراء المتناقضة والمناقشات الضارية حول الإجراء الذي يجب اتخاذه بالنسبة لجثمان منظِّر وقائد البروليتاريا العالمية فلاديمير لينين، حيث تقدم صاحب موقع fark.com على شبكة الإنترنت «دريو كورتيس» باقتراح لشراء جثمان لينين من الحكومة الروسية.

وأنه على استعداد لتنظيم رحلة من خلالها يجوب لينين جميع الأرجاء الأميركية، وزيارة ديزني لاند المكان المفضل لدى المسؤولين الروس في عهد يلتسين عند زيارتهم لأميركا. لكن بعد هذا الاقتراح تعرض كورتيس لسؤال محرج عن ردة فعله على عرض صحيفة البرافدا الروسية شراء رفات جورج واشنطن، فرد عليه بأن هذا مستحيل.

بالطبع فإن الاقتراح الأميركي يبدو تماما كحالة من الهذيان السياسي، كما العرض الثاني من قبل صحيفة البرافدا الروسية، والسبب ليس الاقتراح بحد ذاته بل الأسباب التي أدت إلى ظهور مثل هذه الاقتراحات على الصعيد السياسي.

الأميركيون «اليانكي» ذوي الهمم العالية استندوا بهذه التصرفات على طروحات بعض السياسيين، وبعض الشخصيات الاجتماعية الروسية التي تذكرنا بخيمة للسيرك أو للعروض الهزلية المسلية بنقاشاتهم البيزنطية متناسين المشاكل التي تمر بها روسيا بحدودها اللامتناهية، ووصول العدو إلى بواباتها وتطويقها من أكثر من اتجاه.

هذه اللوحة الفنية السياسية بكل ألوانها أوحت بشكل أو آخر كي ينظر الأميركان وغير الأميركان إلى جثمان زعيم البروليتاريا العالمية بهذا الشكل، وكأنه موضوع بيع وشراء يتنافس عليه أيضا رجال أعمال روس قرروا تقليد أقرانهم الأميركان والدخول في هذه الصفقة.