نفهم قلق الولايات المتحدة نحو المسعى الجاد للحكومة الباكستانية المنتخبة للتوصل إلى اتفاق مصالحة مع حركة طالبان الباكستانية (توأم طالبان الأفغانية). لكن كيف نفهم مشاعر قلق مماثل من مفكرين ومعلقين عرب مسلمين؟
العملية التفاوضية بين حكومة إسلام آباد وقيادة طالبان تقترب الآن من نهايتها لتعزز اتفاق سلام يتخلى بموجبه الطرفان عن الاقتتال وينسحب الجيش الحكومي من الإقليم القبلي المحاذي للحدود مع أفغانستان وهو معقل حركة طالبان، على أن يتوقف مقاتلو الحركة عن مهاجمة الجيش. السهولة والسلاسة التي جرت عليها العملية التفاوضية لا ينبغي أن تكون مثار دهشة، لأن العداء بين الحكومة والحركة هو أصلاً حالة مفتعلة، ما كان لها أن تتبلور لولا تدخل عسكري غير مشروع من طرف ثالث، هذا الطرف الثالث هو الولايات المتحدة.
منذ أن شنت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان قبل سبع سنوات والقوات الأميركية الاحتلالية تقوم باختراق الحدود مع باكستان لشن هجمات بحجة مطاردة عناصر قتالية أفغانية، فتتصادم معها بالتالي قوات طالبان الباكستانية، لأن معظم ضحايا الهجمات الأميركية مدنيون بما في ذلك أسر بأكملها، ولأن الولايات المتحدة حظيت بموافقة الجنرال مشرّف رئيس الجمهورية وقائد الجيش على هذا التدخل، فإنها عمدت في مرحلة لاحقة إلى تصعيد عملياتها باستخدام القصف الجوي العشوائي. وذهب الجنرال الباكستاني أبعد من ذلك فأمر الجيش بشن هجمات منظمة أيضاً على الإقليم القبلي.
إنها حالة مفتعلة لأنه ليس هناك أي مبرر للجيش الباكستاني لأن يشن حرباً على شعبه، فالجيش تدخل كنتيجة لاستجابة نظام الجنرال مشرّف لضغوط مكثفة من واشنطن التي تتعهد من جانبها بحماية هذا النظام الاستبدادي، والآن مع عودة باكستان إلى النظام الديمقراطي التعددي، فإن الحكومة المنتخبة جعلت تصحيح الوضع على رأس أولوياتها.
لكن لماذا ينزعج مفكرون ومعلقون عرب تجاه هذا التطور؟ لا تفسير لمثل هذا الموقف الشاذ سوى أن مثل هذا الطراز من المفكرين والمعلقين لا يريدون أن يروا أي تطور في العالم العربي والإسلامي يوحي بانكسار ما للولايات المتحدة أمام أي تنظيم ذي طبيعة إسلامية، وبالقدر نفسه فإنهم يؤذيهم أن يروا أياً من مثل هذه التنظيمات يسجل نصراً عسكرياً أو سياسياً.
إن تنظيمات مثل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في فلسطين و«حزب الله» اللبناني مصنفة لدى واشنطن ككيانات إرهابية، وهو تصنيف مفهوم لأن مثل هذه التنظيمات تُهدّد أمن إسرائيل، لكن كيف نفهم أن تستهدف بالعداء من قبل مفكرين ومعلقين عرب مسلمين؟
الإجابة المنطقية هي أن مثل هؤلاء يدينون بولاء ما لأنظمة حاكمة في العالم العربي والإسلامي هي بدورها متناغمة مع توجهات السياسة الأميركية أو أنهم يرتبطون بولاء مباشر للولايات المتحدة أو أنهم متحللون من أي التزام بأي أيديولوجية دينية أو وضعية بما في ذلك الأيديولوجية الإسلامية.