تطورات وتسريبات الأيام الأخيرة تشي، في ظاهرها، بأن مواقف وأجندات واشنطن وتل أبيب،في لحظتها الراهنة، متضاربة؛ تجاه المسارين السوري والفلسطيني. بدا وكأن كل طرف يعزف على وتر خاص به وبحساباته وأولوياته. لكن، على الأرض، جاء الإسقاط على النقيض. فما بدا أنه تباين صبّ، عملياً، في مجرى واحد من التخريب والعرقلة، على كلا المسارين.
وبذلك بدت الفرقعة الدخانية بين الجانبين وكأنها رقصة توزيع أدوار في عملية مركّبة، تسمح لإدارة الرئيس بوش كما لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بالتملّص والتهرب من الوعود والالتزامات. ربما كان لكليهما اعتباراته التي دفعته إلى المناورة الرامية إلى إحباط توجه، لا يخدمه في هذا الظرف. لكنها تبقى مناورة عابرة، محكومة بالعودة، في آخر المطاف، إلى قواعد التطابق المعمول بها، بينهما.
تعمّد أولمرت الكشف عن مفاجأته، بخصوص الجولان، بالتزامن مع وصول الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، إلى واشنطن. كما تعمّد أن يكون لذلك وقع القنبلة. وفعلاً أحدث الموضوع ضجة عالية، طغت على ما عداها. ردّت واشنطن بالكشف عن ما زعمت أنه شريط فيديو، حصلت عليه من إسرائيل، لموقع نووي سوري سرّي، قامت كوريا الشمالية ببنائه. أيضاً، تحوّلت هذه السيرة، إلى حديث الساعة. التوقيت يشي بنية التعطيل لدى الجانبين. انفتاح الأول بهذا «السخاء»! المفاجئ على سوريا، كان موجها إلى لقاء بوش - عباس.
الرسالة، كانت أن الأولوية الآن، لدى إسرائيل؛ ليست للملف الفلسطيني. ولا للدولة الفلسطينية. طبعاً من غير أن يعني ذلك بأنها للمسار السوري؛ أو بأن أولمرت كان يخشى، إلى حدّ الرعب، من الكرم الحاتمي عند الرئيس بوش، تجاه القضية الفلسطينية. أراد من قنبلته التمويهية، تسجيل نقطة؛ بأن إسرائيل هي التي تقرر الخطوات والأولويات؛ في هذه الحقبة من عمر إدارة بوش، التي شارفت على المغيب.
أما مسارعة هذه الأخيرة إلى الكشف عن الفيديو، الذي نامت عليه منذ أواخر الصيف الماضي - هذا إذا كان غير مفبرك على غرار فبركات الحرب العراقية -، فبدت وكأنها من باب ردّ الصاع والغمز من زاوية الطرح الإسرائيلي المزيّف، بشأن الجولان.
وواشنطن تدرك جيداً مدى زيف مزاعم إسرائيل السلمية. تماماً كما تعرف إسرائيل مدى زيف مثل هذه المزاعم، لدى واشنطن. كلاهما، ومن موقع الشراكة، مرجع موثوق في هذا المجال. وهذه الأخيرة أعطت، مرة أخرى، الدليل القاطع على عدم الجدّية في خطابها عن السلام؛ وذلك من خلال تعاطيها مع زيارة الرئيس عباس، قبل يومين، إلى واشنطن.
الزائر أعرب بوضوح عن خيبته، عندما قال: «بصراحة، لم يتحقق شيء». واشنطن بوش رفضت، جرياً على العادة، ممارسة أي ضغط على إسرائيل لوقف الاستيطان، الذي يشكل «العقبة الكبرى في طريق المفاوضات»، كما قال. إذاً مرة أخرى، لا شيء في جعبة الإدارة للفلسطينيين.
منذ أنابوليس، والدوّامة نفسها: يأتي بوش إلى المنطقة؛ يذهب الرئيس عباس إلى واشنطن؛ ورايس تأتي وتعود، حوالي عشر مرات؛ ولا جديد. وبعد أيام تصل الوزيرة، في جولة أخرى إلى المنطقة؛ يتبعها الرئيس بوش للمشاركة في احتفالات إسرائيل بعيدها الستين.
صارت العملية مملّة ومحرجة، إذا لم نقل مهينة. المؤلم أكثر أن الوضع الفلسطيني،في المقابل، لايزال غارقا في تشتته المعروف. يتحرك بأجندتين: غزة شاغلها الحصار؛وهو همّ مشروع؛ ورام الله تشغلها المفاوضات وعقبتها الكأداء المتمثلة بالاستيطان؛ وهو أيضاً شاغل مشروع. لكنها ثنائية جرى استغلالها، إلى أبعد الحدود ضدّ الشعب الفلسطيني وقضيته.
