لم تتعلم الإدارة الأميركية من الدروس السابقة، وما أكثرها، ولا من إخفاقاتها المتعددة في أكثر من مكان من العالم، فهي لاتزال مصرّة على انتهاج الأسلوب نفسه في استعداء الشعوب والدول والحكومات، وهي تدرك أن هذا الأسلوب لم يجلب للأميركيين سوى الخزي والعار والكراهية.
تؤمن إدارة الرئيس جورج بوش بمقولة «اكذب.. اكذب حتى يصدّقك الآخرون».. لكنها ببراعة تجاوزت هذه المقولة وصارت تصدّق الأكاذيب التي تطلقها، وهذا الأمر يعتبر من وجهة نظر الطب النفسي مرضاً خطيراً.
المشكلة أن مرض الكذب استشرى في جسد الإدارة الأميركية من رأس الهرم وحتى سفحه، فصار الكذب سياسة رسمية معتمدة لدى دولة عظمى يحتم عليها حجمها ووزنها السياسي والاقتصادي والعسكري لعب دور الحامي والضامن للأمن والسلم في العالم.
هذا الأمر يقودنا إلى الاعتقاد أن أفراد عصابة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة حقنوا أنفسهم عن طيب خاطر بفيروس الكذب، أو أن إيديولوجيتهم الصهيونية الأسطورية والمبنية على تفاهات التلمود وبروتوكولات حكماء صهيون، تجعل الكذب أصيلاً في دمهم كالكريات الحمراء والبيضاء، وهذا ما يفسر اعتماد هذه الإدارة كلياً على الكذب لتنفيذ مشاريعها وتمرير مخططاتها ومؤامراتها.
آخر أكذوبة كانت حول وجود أنشطة نووية سورية، المضحك هنا أن إدارة بوش لا تتحدث عن برنامج نووي سوري سلمي بل عن «احتمال» أن يكون هذا البرنامج عسكرياً.
قبل الرد على هذه الخزعبلات نتمنى على الرئيس بوش وعصابته العودة إلى جلسة مجلس الأمن الدولي في 5/2/2003 التي وقف فيها وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول ليضلل العالم أجمع ملفقاً أكبر كذبة في العصر الحديث عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، معتمداً على صور مزيفة وأدلة مزوّرة وغير ذلك مما برر للإدارة الأميركية غزو العراق واحتلاله وقتل أكثر من مليون من أبنائه فضلاً عن نهب الثروات الوطنية للشعب العراقي الذي لا يزال يعاني من الفوضى والدمار والتحارب فيما بين العراقيين أنفسهم بعد أن زرعت إدارة بوش بذور الفتنة.
نعيد هذه الإدارة إلى عملية التضليل الخطيرة التي كان بطلها باول، ونتمنى أن تتذكر إدارة بوش أنه بعد عامين من كذبة الوزير الأميركي عاد ليعترف بأنه كذب وطلب صك المغفرة!
قصة باول معروفة، وهناك عشرات القصص المشابهة التي تؤكد أن الكذب هو سلاح إدارة بوش في العالم.. ومع ذلك لم تتعلم هذه الإدارة، فها هي تتهم إيران بتهديد أمن العالم أجمع! واليوم تلتفت إلى سورية المستهدفة أميركياً وإسرائيلياً منذ عقود طويلة، لتخترع كذبة جديدة وإيهام المنطقة والعالم بأن سورية «بعبع نووي» يتهددهم كما هي إيران وكوريا الديمقراطية.. ولا ندري على من سيأتي الدور لاحقاً.
لا نريد المضي كثيراً في الحديث عن الأباطيل التي فندها الناطق الرسمي باسم سورية، لكننا على ثقة بأن الإدارة الأميركية تضمر كل الشرور لسورية، وللقوى المقاومة والممانعة في المنطقة، لأن هذه القوى أسقطت من خلال صمودها السياسي والعسكري أخطر المشاريع الاستعمارية التقسيمية الأميركية، وهو مشروع الشرق الأوسط الجديد.
التصعيد الجديد باتجاه سورية جاء مع حديث إسرائيلي ما عن استعداد لإعادة الجولان مقابل السلام، ودون أن نبني قصوراً على الرمال ونعتمد هذه التصريحات وكأن الجولان عائد غداً، وأن إسرائيل جنحت أخيراً إلى السلام، دون أن نخوض في هذا الملف الشائك نسأل: هل جاء التصعيد الأميركي لمنع أي جهد لإعادة إطلاق عملية السلام، والعودة إلى طاولة المفاوضات؟.
لا نستبعد هذا الاحتمال، خاصة إذا تذكرنا أن إدارة بوش حذرت إسرائيل في السابق ـ وعلناً ـ من أي خطوة قد تقوم بها تجاه العودة إلى طاولة المفاوضات و..إلا! وتذكروا ماذا تبع هذه الـ«وإلا».
هكذا هم تجار الحروب، يفبركون الأكاذيب ويروجون للأباطيل، ويشنون الحروب خدمة للصهيونية التي هي منهم، وهم منها، والتي تقود إدارة بوش ليس من خلف الستار كما كانت في السابق، بل من واجهة البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، وكل المؤسسات الملوثة بفيروس المحافظين، ومرض الكذب.
