لا تكاد تتوقف تلك العواصف التي يثيرها بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر، عواصف متتالية: بدءا من ماضيه النازي إلى كلماته التاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام، مرورا بمحاضرته التي نقل فيها استشهادا مسيئا للإسلام، وإعلان الإيمان الذي نص على اعتبار الكنيسة الكاثوليكية وحدها «كنسية المسيح» وهو ما اعتبرته الكنائس المسيحية كافة إساءة إليها.. الخ.

كلمات البابا هذه المرة لا تستمد أهميتها من شخص قائلها ومكانته الدينية العالمية وحسب بل تستمد أهميتها كذلك من أنه أعلنها في أول كلمة يلقيها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ تولى منصبه، علماً بأن سلفه البابا يوحنا بولس الثاني خاطب الأمم المتحدة مرتين (1979، 1995)، من ناحية أخرى فإن كلمة البابا انطوت على تحول تاريخي في موقف الفاتيكان من الشؤون الدولية سيكون له ما بعده، والرجل باختصار أقام بكلماته احتفال «تعميد» ديني وأخلاقي للنظام العالمي الجديد «بمباركة» حق التدخل!

فقد دعم البابا حق التدخل الجماعي للأسرة الدولية في أي دولة «تفشل في حماية شعبها من خروقات مستمرة لحقوق الإنسان ومن أزمات إنسانية من صنع الإنسان»، وأضاف قائلاً: «في حال فشل الدول في ضمان مثل هذه الحماية، يجب على الأسرة الدولية أن تتدخل بالوسائل القضائية والعدلية التي يوفرها ميثاق الأمم المتحدة والأدوات الدولية الأخرى».

صحيح أن البابا طالب بأن يكون هذا التدخل مشروطا باحترام: «المبادئ التي تتحكم بالنظام الدولي» إلا أنه في الوقت نفسه طرح رؤية جديدة للتعارض بين حق -التدخل وبين حق السيادة، وهو تفسير أتوقع أن يثير جدلا كبيرا إذ قال: «يجب ألاّ يفسر على أنه فرض غير مبرر أو تقييد للسيادة، بل بالعكس، فإن التجاهل أو الفشل في التدخل هو الذي يخلف الضرر الحقيقي».

ومحصلة كلام البابا أنه يطالب الدول بتفعيل كل الأدوات اللازمة لحماية حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والعدالة والشرعية، كما تطرق إلى مبادئ الاستباقية والإجماع، مشيراً إلى: «التناقض الواضح في استمرار أزمة الإجماع المتعدد الجنسية لأنه ما زال يخضع إلى قرارات القلة، في الوقت الذي تدعو فيه مشاكل العالم إلى التدخل في شكل إجراء جماعي للأسرة الدولية». (الحياة اللندنية 19/ 4/ 2008).

والكلمة التي تبدو اعتراضا على السياسة الأميركية في ملفي العراق وأفغانستان هي في الحقيقة انحياز لهذه السياسة وما التقييد الذي ورد في خطابه إلا قيد وهمي لن يلبث أن يذهب أدراج الرياح في الممارسة العملية، فالتجربة خلال السنوات القليلة الماضية أثبتت أن عددا محدودا من الدول الكبرى في مقدمتها أميركا وحلفاؤها الأنجلوسكسونيون واليابان.

ومؤخرا فرنسا وألمانيا هي التي تتعامل بإيجابية مع المشكلات الدولية وتملك الرغبة والقدرة للتدخل لحلها. وهذه الدول هي التي تدير فعليا الملفات العالمية الأكثر أهمية: العراق، أفغانستان، الملفين النوويين لكوريا الشمالية وإيران، لبنان، دارفور ..وبالتالي فإن الحديث عن الإجماع الدولي سيكون مستحيلا.

ولتقدير الأهمية التاريخية لخطاب البابا بنديكتوس السادس عشر ينبغي استعادة حقيقتين: الأولى أن الصراع على الساحة الدولية بين السيادة وحق التدخل طرح للمرة الأولى بقوة في المؤتمر الدولي لحقوق الإنسان بفيينا (1993) وفيه طرحت أميركا استحداث منصب «مفوض سامي لحقوق الإنسان» لديه صلاحيات التدخل في شؤون أي دولة لحماية حقوق الإنسان من الانتهاكات الجسيمة.

وقد جاءت المطالبة الأميركية عقب المجازر الرهيبة التي تعرض مسلمو البلقان نتيجة انهيار الاتحاد اليوغوسلافي وهي مجازر كانت حصيلتها: مئتي ألف قتيل، وستين ألف مغتصبة وخمسة عشر ألف طفل سفاح، ورغم هذا قوبل برفض دولي واسع وتعالت الصيحات المنددة به وكان أشهرها محاضرة جارودي التحريضية «حق التدخل استعمار جديد». وفي العام 1994 شهدت رواندا واحدة من أكبر جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث عندما قتل أكثر من ثمانمئة ألف مدني في حرب أهلية بالغة البشاعة لم يستطع العالم التدخل لوقفها حتى لا يحدث انتهاك لـ «حق السيادة».

الحقيقة الثانية التي يجب استعادتها أن الفاتيكان لعب دوراً كبيراً في الحرب الباردة وساهم بشكل مخطط ومقصود في انهيار الاتحاد السوفييتي، فقد استند الفاتيكان إلى حقيقة أن الإمبراطورية السوفييتية هي إمبراطورية إلحادية تتخذ موقفا عدائيا من الأديان السماوية وبالتالي فإن من المشروع بل ربما من الواجب المشاركة في هدمها.

وفي سياق هذه التجربة كان الإنجيل سلاحا في الحرب الباردة لا بالمعنى المجازي بل بالمعنى الحرفي إذ أنشأت المخابرات الأميركية شبكات سرية لتهريبه لمواطني الاتحاد السوفييتي كأداة في الحرب العقائدية التي انطوت عليها الحرب الباردة.

وعندما يقرر الفاتيكان الانحياز إلى حق التدخل لوقف انتهاكات حقوق الإنسان فإنه يعيد وصل ما انقطع من ماضيه بأن يلقي بثقله الروحي مرة أخرى في كفة الدفاع عن حقوق الإنسان ضد الجرائم التي ترتكب تحت لافتة إعمال حق السيادة، وهو إذ يفعل إنما يجد نفسه بالضرورة متحالفا مع أميركا القوة الدولية الأكثر استخداما للدين في العلاقات الدولية. وبهذا يعطي الفاتيكان هذا الحق ـ أو هذا الواجب ـ مشروعية دينية وأخلاقية ستنقل الجدال حول التعارض بين حقوق الإنسان وحق السيادة إلى أفق جديد.

كاتب مصري