من البديهيات المنطقية البسيطة أن صديق صديقي صديق، وحليف عدوي عدو، وأن عدو عدوي صديق، وعدو شقيقي عدو.. ومن المنطقي ألا نصادق إلا من يصادقنا، ونعادي من يعادينا. ومع ذلك فإن خريطة علاقات الصداقة والعداء بين الدول العربية والعالمية، بعضها منطقي حين نصادق من يصادقنا ويحترم استقلالنا وحقوقنا وإرادتنا، وبعضها يبعث على الحيرة حين نصادق من يعادينا أو نتحالف مع من يتحالف مع أعدائنا!
ولأن التحالف مع دول كبرى لا يخدم مصالحنا وأمننا بقدر ما يوظفنا لخدمة مصالح الدول الكبرى، فلقد ظلت سياسة معظم دول الشرق الأوسط ترفض الدخول في الأحلاف الكبرى مثل حلفي وارسو والأطلسي، والصغرى أيضا مثل حلف بغداد.. وظلت تجد الصيغة الأصح لأمنها واستقلالها طوال سنوات الحرب الباردة، في حركة عدم الانحياز بين المعسكرين ورفض سياسة الأحلاف الأجنبية، وفي إطار مؤسساتها السياسية والأمنية الإقليمية، كجامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
إلا أن انتهاء الحرب الباردة مع انهيار سور برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، أخل بالتوازن الاستراتيجي بين القوى الكبرى في العالم، مما ضيق هامش المناورة أمام الدول غير المنحازة.. ومما سمح لأميركا العضو الأبرز في حلف الأطلسي بأن تصبح القوة العظمى الأولى، ومع تطلعها لأن تجعل هذا القرن أميركياً زادت نزعات الهيمنة، ليس على الشرق الأوسط فقط ولكن على أوروبا أيضاً.
وكان انقسام أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية إلى شرقية بحماية روسية وغربية بحماية أميركية وبعد تأسيس الأمم المتحدة، قد دعا دول الغرب الأوروبي لتشكيل حلف الأطلسي عام 1949 تحت شعار «حماية أوروبا» من خطر هجوم نووي روسي بمظلة نووية أميركية، بينما دفع دول الشرق الأوروبي إلى تشكيل حلف وارسو بالمقابل عام 1955.
وبينما تفكك حلف وارسو بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتحول الكتلة الاشتراكية، بقى الحلف الأطلسي ـ على عكس ما هو طبيعي ـ ينمو ويتوسع شرقا ويتمدد عربيا ويطور استراتيجياته باتجاه ضفاف الخليج والمتوسط، لتبدأ الحوارات وتتسارع المبادرات لفتح طريق التعاون مع الناتو، وهو ما أشاد به مؤتمر الحلف الأخير في بوخارست!
وقد ركز التوجه الجديد للناتو خليجيا وعربيا على الحوار ثم الشراكة، وصولا إلى تحالف مع هذه الدول لتوريط جيوشها الوطنية بدور في ما يسمى «الحرب على الإرهاب»، والمشاركة في عمليات مشتركة مع الأطلسي في مناطق التوتر الدولي في إطار المهام الجديدة للناتو، لحماية الأمن الأوروبي!
غير أن الخلاف بين الجانبين يبقى قائما حول مفهوم الإرهاب، خصوصا وأن التعريف الغربي للإرهاب ينكر حق الشعوب في مقاومة الاحتلال الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة ويعتبره إرهابا، ويطبق هذا المفهوم المقلوب على المقاومات الوطنية في فلسطين والعراق ولبنان! والواقع أن سر الاهتمام بهذه المنطقة ينبع، من وجهة نظر الناتو، من أن الشرق الأوسط هو مستودع استراتيجي للنفط ومستودع أيضا لما يسمى بـ «الإرهاب» الذي يهدد الأمن الأوروبي والعالمي!!
وهنا لابد أن نطرح على أنفسنا عدداً من التساؤلات مثل:
ما هي الأهداف الأورو ـ أميركية للشراكة مع دول المنطقة وما مدى ارتباط ذلك بمشروع الشرق الأوسط الكبير الأميركي؟
.. وهل تغيب عن فكرنا سياسات أميركا والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو الحامية لأمن إسرائيل؟
.. وأخيرا، هل هناك رؤية واضحة لمصالح عربية في شراكة عسكرية وسياسية مع أحلاف الدول الغربية؟
ومن المهم امتلاك إجابات واضحة قبل المسارعة للتورط في أية أحلاف أو للشراكة معها، سوى حلف عربي بموجب معاهدة الدفاع العربي المشترك أو إقليمي لا تهيمن عليه دولة كبرى. فنعم للتحالف العربي أو الإقليمي الإسلامي العربي، ولا للتحالف مع الحلف الصهيو أميركي أو الأورو أميركي حليف إسرائيل.