في مدينة الرياض ذهبت لتقديم واجب العزاء في أحد أقاربي رحمه الله، وحين دخلت مجلس العزاء النسائي، وجدت قريبتي تسرد على النساء أحاديث معهودة تبعث غالباً على إدهاش النساء وترويض الشاطحات منهن عن طريق النساء وتشجيع الطامحات منهن على مواصلة طريق النضال المسلح بالصبر والفضيلة.

أما ماذا كانت قريبتي تقول فهي قصة زوجة ظافرة كانت تطلب من زوجها أن يسمح لها بالذهاب إلى مكة مع أحد أبنائها لقضاء فريضة الحج إلا أن هذا الزوج المغوار الجبار يرد بالقول: «لا! أقضبي أرضك يا مرة، حج ما فيه.!»

كانت هذه السيدة الطائعة ترضخ لرغبة زوجها بالسمع والطاعة، حتى مات. وحين مات وجدت ان المانع قد زال، فإن أداء الفريضة قد حل، فاستعدت بقلب يخفق فرحاً للذهاب إلى بيت الله وقضاء الركن الخامس من الدين، وسجلت اسمها لدى إحدى الحملات التي ترتب خروج الحجيج من الرياض متجهة إلى مكة مقابل مبلغ من المال.

وقبل أن تنطلق الحملة في مسيرتها بليال معدودة نام صاحب الحملة ـ لا شك أن أبناء الصابرة الظافرة قد قصوا عليه قصة صبر الزوجة على زوجها ربما ليسرعوا بالحملة قبل أن يحدث للزوجة شيء وتموت قبل قضاء فرضها ـ نام صاحب الحملة فرأى في المنام من يبشره بأن كل الأسماء المسجلة في الحملة سيدخلون الجنة إن شاء الله!

انتهت القصة وبدأت أسئلتي قليلة الصبر والظفر: هل هذه دعاية يروجها صاحب الحملة ليسارع الراغبون في الحج بأن ينضموا إليه كعادة أهل الحملات في الترويج لحملاتهم؟ لكن هذه المرة الترغيب وصل إلى وعد بالجنة قبل أن يصلوا مكة وقبل أن يؤدوا الفريضة التي وعد الله أصحابها بأن يعودوا كما ولدتهم أمهاتهم طاهرين من الذنوب حتى بدون أن ينضموا لحملات نقل الحجيج هذه؟!.

أم أن صاحب الحملة أبى أن تنتظر الزوجة وعد الله والسير إليه طامحة بالجنة فأسرع لتبشيرها بأن الجنة لها ليس لأنها تتجه بقلب شغوف لأداء فرضها والحج لبيت الله بل مكافأة لها من الله لأنها أطاعت زوجها وانتظرته حتى مات ولم تكسر له أمراً حتى ولو لأداء فرض يعد ركناً من أركان الإسلام كان من المفترض أن يساعدها الزوج (المسلم) ويحثها عليه بدلاً من تعطيلها عنه؟!

إن لم يكن صاحب الحملة يقصد هذا فإن قريبتي كانت تقصده، لأنها كانت تتوجه لسيدة تجلس في المجلس وتقول: زوجة مثلك صابرة منعها زوجها عن الحج فأطاعت، وهكذا فإن درس طاعة الزوج قد انتهى بأن وضح أين تذهب النساء المطيعات أزواجهن وأين تقع منزلة طاعة الأزواج في مجلس النساء هذا.

كنت على وشك القول إن قريبتي تصنع دروسها على قدر طاقتها وسعة عقلها فهي تذهب إلى أن مخالفة الزوج حتى ولو بأكل الساندويتش بدل الأرز إثماً تعاقب عليه، إلا أنني عندما أفقت في الصباح التالي وفتحت الجريدة عرفت من أين تستقي قريبتي دروسها، فقد كان أحد الوعاظ يضع عنوانا لعظته تنشر خبرها الجريدة، بالقول إن طاعة الزوج لزوجته تتقدم على بر الوالدين.

في كثير من المدن العربية يتزايد خطاب التشدد في تقييد النساء بعلاقات مجتمعية ضيقة تمنع حركتهن حتى لمساجد الله ـ فما بالك بطموحات تصعد الجبال وتطير المسافات ـ، هذا الخطاب تزداد قتامته وضيق صدره بالنساء حتى يصل إلى ما وصلت إليه في مجلس قريبتي وتنقص كلما اتجهنا نحو مدن عرفت فيها النساء خطاباً متنوراً وواعياً وعادلاً. تشترك معظم هذه الخطابات في رسم سياسة تتقلص فيها حقوق النساء على حساب تزايد حقوق الذكور الذين يتوسعون بخطاب صار اليوم يحمل سمة دينية تجعل مرتبة الزوج الذكر طبعاً وليس الأنثى تفوق مرتبة الوالدين.

وطاعته المطلقة عملاً كافياً وحده للوصول إلى اللجنة، حتى ولو لم تؤد فريضة الحج ليس لأنها صبرت عليه بل لأنها أطاعته وقدمته على نفسها، بل وسيزيد المرء سواء أن هذا الخطاب يحمل تناقضاته معه أينما ذهب فهو في بادئة خطاب يهتم بتسخير حياة المرأة كاملة غير منقوصة دون أي ضمانات للزوج.

ولا يعنى سوى بحقوق الزوج الذكر وحده وهذا الخطاب يفتح لها كل منافذ العقل والحواس يبث في المساجد وفي المدارس وفي الإعلام مفردا له الحق، مغريا الزوجة بأنها ملكة في بيتها، محظوظة باعاقتها وإقعادها في المنزل كاللؤلؤة المصانة، لكن لو جاءت من تحرك كلمة من على سطح نعيمها لتنظر لما تحتها لوجدت أنها في حال رغب الزوج عنها وطلقها فإن نظام الطلاق في المحكمة لا يضمن لها الحق في أن تحمل معها ولو ملعقة حديد من مملكتها التي يتوجب عليها مغادرتها ولن تحظى حتى بغرفة فيها.

أما إذا تبحرت امرأة ـ ونادراً ما تفعل النساء في مجلس قريبتي ـ في كتب الفقهاء، والتي كتبت منذ أربعمئة عام ويرجع إليها كثير من هؤلاء الدعاة والشيوخ لتقرير حقوق الزوج فستجد على سبيل المثال والتعجب أن من حق الزوجة على زوجها أن يشتري لها أدوات الزينة، إما ـ اشمعنى ـ فلأنها تتزين له طبعاً، أما إذا مرضت فانه غير مجبر على علاجها إلا تفضلاً وإن ماتت فانه لا يلزمه كفنها، لكنهم ينصحون الزوج من باب النصيحة لا الإلزام ـ بأن يكون ابن حلال ويدفع.

وعلى الرغم من أن الدين الإسلامي يرتب العلاقات في الحياة على أساس متعادل بين الصغير والكبير والزوج والزوجة والفرد والجماعة والحاكم والمحكوم إلا أن الايديولوجيا هي التي تعمل عادة على تغيير مواقع القوة لصالح الطرف الغالب وتسخير المصالح والمنافع له، فترسم هذه السياسة أو استراتيجيتها في تنظيم المجتمع، وليس غريباً أن يكون الخاسر في هذه الايديولوجيا هم النساء والأطفال.

أكثر ما يثير الغرابة هو قدرة النساء المستمرة على الانصياع لخطاب ذكوري واضح القسوة ولم يحتج لقدر من الذكاء للتخفي أو التجمل، وبالتالي فإن عدم مناهضته بحجج أنثوية ساهم في أن يسير هذا الخطاب إلى المغالاة والتطرف يوماً بعد يوم وفي نفس الوقت إلى تشديد القبضة على مصالح الحياة ومتعها وتفلتها لصالح الذكور دون شرط أو رقيب مقابل تشديد القبضة على النساء ومراقبتهن بل وفي أحيان كثيرة التشكيك في قدرتهن وفضيلتهن، ومبررات التوسع في فرض احترازات وعقوبات عليهن هو «سد باب الذرائع النسائية».

يتفاعل في رسم هذه التشديدات تراث شديد المحافظة بل ومنغلق يساعده خطاب يريد أن ينتقي ويفسر ويتعسف في صيغ دينية واجتماعية ليصبح هذا الخطاب الذهني والفكري من أشد التحديات التي تواجهها المرأة، فهي من جانب لا تريد أن تخرج عن الخطاب الإسلامي ومن جانب آخر لا تريد ـ وربما لا تقوى ـ أن تعاند المجتمع.

هذه المسألة تتزايد تعقيداً وسوءا حين نجد أن السياسات الحكومية من تعليم وإعلام وغياب لمؤسسات المجتمع الأهلي يترك غيابها فراغاً هائلاً ويحرمها، من رسم إستراتيجيات تعمل لصالح الاعتراف بالنساء كمواطنات لهن حق العيش الكريم دون ولاية أو أذن، وحقهن بالتعليم وتطوير قدراتهن وتعزيز ثقتهن بذواتهن وحمايتهن في نفس الوقت ضد التعديات المستمرة على حقوقهن التي تتركهن طوال الوقت منهكات أو جائعات أو خائفات من الضياع محتاجات للحماية!

امهاتنا وقد كبرن على أن الذكر هو الذي يحضر لهن الخبز ويبني المنزل ويحمل الأطفال للمدارس لا يمكن أن يفهمن ما تفهمه جيل بناتهن وحفيداتهن بأن المرأة اليوم لم تعد بذات الدور والمفهوم والوعي الذي تعيشه المرأة من قبل، وأن هذا وحده غير كاف فهي أمام وعيها الجديد بواقعها المتغير، تحتاج لمن يعينها على تبنيه وحاجتها تلك ليس بسبب نقص في القدرة ولكن بسبب أن الأدوار والمساهمات الاجتماعية الايجابية لا يمكن أن تظهر في المجتمع إذا ما قابلتها أحاديث ومسلسلات ودروس تبثها مجالس العزاء وفي المدارس في المناشط الدعوية.

في المدارس وفي الإعلام صحفاً وتليفزيون، تستخدم الجنة ترغيباً والنار ترهيباً، تشدد على أن المرأة كائن خلق ليصبر على كائن آخر حتى ولو حرمه من أبسط حقوقه، أو هبط به إلى درجات مختلفة من التوحش بالقول إن حق الزوجة على زوجها فقط زينتها أما إذا مرضت فالدواء والكفن إذا ماتت، فضلاً منه إن شاء أعطى وإن شاء منع، وإلا أحسن الله عزاءكن أيها النساء مقدماً!!.

كاتبة سعودية