تحركات بخطوات متسارعة تشهدها منطقتنا العربية في أيامنا هذه، وكلها حول موضوع حل مشكلة الصراع العربي ـ الصهيوني والذي ما زال مستمرا منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897. وخلال تلك الفترة جرى طرح العديد من مشاريع التسوية، ونشب خلالها العديد من الحروب الكبيرة والصغيرة.

كما جرى التوصل إلى أكثر من هدنة وفض اشتباك ووقف لإطلاق النار، فضلا عن توقيع عدة اتفاقيات «صلح وسلام» منفردة بين الكيان الصهيوني من جهة وبعض الدول العربية والفلسطينيين في الجهة الأخرى، ومع ذلك لم يتم التوصل إلى السلام المنشود وما زالت المنطقة العربية عرضة لقيام حروب جديدة، بل وصل الأمر إلى حد التهديد بإزالة دول من الوجود وشطبها من خارطة العالم.

ولعل السبب الرئيس لذلك أن الجسد العربي ما زال يصر على مقاومة ورفض «الفيروس» الدخيل الذي يحاول الاستيطان في قلب الوطن العربي بالقوة، مدعوما من كل القوى نفسها التي زرعته لتحقيق أهدافها، كمشروع استعماري ورغبة في تنفيذ المصالح المشتركة والحفاظ عليها، وقد أدرك احد قادة العدو الصهيوني طبيعة هذه العلاقة بقوله «نحن عبارة عن قطعة بحرية ثابتة للغرب في المنطقة العربية».

وهذا ما يفسر الجولات المكوكية التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في المنطقة العربية، ولقاءاته مع زعمائها ومع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية، بهدف التوصل إلى اتفاق تهدئة بين حركة حماس و«إسرائيل»، وجس النبض لتوسيع مهمته لتشمل أطرافا عربية أخرى ما زالت في حالة عداء مع الكيان الصهيوني.

وفي هذا الخصوص أوصل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان رسالة على لسان رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت، مفادها انه على استعداد للانسحاب من هضبة الجولان في حالة عقد «اتفاقية سلام» مع سوريا. وضمن الأهداف نفسها قام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبو مازن» بزيارة العاصمة الأميركية واشنطن، والتقى الرئيس جورج بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وذلك قبيل زيارة بوش الوداعية للمنطقة في مايو القادم. وفي الجانب الفلسطيني الآخر أعلنت حركة حماس عن قبولها بتهدئة «متبادلة وشاملة» مع إسرائيل وتضم الضفة الغربية وقطاع غزة.

إذن ما الذي نصدقه؟ هل نصدق وعود السلام والتسوية أم طبول الحرب التي تقرع في المنطقة العربية؟ أم هي سياسة العصا والجزرة المعروفة دوليا؟ لعل اخطر ما في موضوع التهدئة المطروح هو ما يجري على ارض الواقع فعلا وليس قولا، فمن خلال تجارب العرب مع اتفاقات الهدنة السابقة مع الكيان الصهيوني منذ حرب عام 1948، تستغل إسرائيل هذه الاتفاقات من اجل تعزيز وتقوية جيشها بالعتاد والعدد.

فيما كان يخلد العرب للسكينة والراحة بدعوى التقاط الأنفاس، وبعدها تحدث الطامة الكبرى عند استئناف القتال بين العرب واليهود وتكون النتيجة ضياع المزيد من الأراضي بالإضافة للخسائر البشرية والمادية، وهكذا دواليك ليتم بعدها التفاوض بناء على معطيات جديدة. وكلنا يتذكر ما حدث في هدنة عام 1948 واتفاقيات رودس عام 1949 ووقف إطلاق النار في حرب عام 1973 وما وقعه المبعوث الأميركي فيليب حبيب مع منظمة التحرير الفلسطينية في بداية الثمانينات في لبنان.

من ناحية ثانية فان المكشوف لا يخيف فهو معروف وظاهر للعيان، أما ما يحدث في السر وتحت الطاولة وبعيدا عن أعين الصحافة ونظر الجميع، فهو ما يثير الهلع والخوف، خصوصا وان القنوات السرية كثيرة هذه الأيام، وقد نفاجأ بتوقيع اتفاق للتسوية مع الكيان الصهيوني سواء بأيد عربية أو فلسطينية، وعندها لا يستطيع احد وقفه أو الاعتراض عليه.

ولكن في المحصلة النهائية فان أي حل لا يعيد اللاجئين إلى أراضيهم لن يكتب له البقاء أو النجاح، وكذلك الأمر بالنسبة للقدس وغيرها من الحقوق التي وان فرط فيها بعضهم أو تنازل عنها، فان أصحاب تلك الحقوق يرفضون التنازل عنها مهما كلفهم الثمن من شهداء وتضحيات، فهكذا علمنا التاريخ وقوانين الصراع والبقاء، فلن يضيع حق ما دام صاحبه يطالب به ولو بعد أمد.

musaabueid@hotmail.com