في توقيت مفاجئ وخطوة معاكسة لتيار الزخم التفاوضي السلمي بين العرب وإسرائيل، جاء الاتهام الأميركي لسوريا، بإقامة برنامج نووي سري، وتلقي مساعدة من كوريا الشمالية ليثير من جديد عاصفة من الجدل والتلاسن، التي تغلق نافذة الأمل بان يقترب بزوغ فجر السلام الحقيقي والعادل والشامل الذي يترقبه أبناء شعبنا العربي، منذ أكثر من ستين عاماً من صراع أشعله اغتصاب فلسطين العربية بأيدي عصابات صهيونية مدعومة من الغرب.
اللافت في الاتهام الأميركي صدوره من البيت الأبيض، فيما كان الرئيس الأميركي يبحث سبل تفعيل مسار التسوية السلمية بين فلسطين وإسرائيل سعياً لتحقيق إنجاز تاريخي يختتم به ولايته الرئاسية الثانية، ويمنح حزبه الجمهوري قوة دفع في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تنتشله من مستنقع الإخفاقات والفشل في العراق وأفغانستان.
ويجيء الاتهام الأميركي لسوريا ليدحض جدية ومصداقية السعي لتحقيق السلام في المنطقة، بل يفتح باباً واسعاً للتشكك في وجود أجندة أخرى لإعادة صياغة المنطقة وفقا لرؤية ثبت فشلها، وأطاحت بصقور المحافظين الجدد الذين بشروا بظهور هلال الشرق الأوسط الجديد والأكبر، وفق مخطط لإعادة تجزئة المجزأ، وتقسيم الدول العربية على أسس طائفية وعرقية، وإعلاء شأن الأقليات وتحريض بعض الخارجين من أبنائها على الانفصال عن الوطن.
والحاصل أن الاتهام الأميركي لسوريا ينطلق من قاعدة ملاحقة محور(الممانعة العربية) على قاعدة وجود شكوك لا أدلة يقينية، فيما يتم التغطية على دولة إسرائيل التي تمتلك واقعياً أكبر مفاعل عسكري نووي في المنطقة (مفاعل ديمونة)، ولديها مخزون يبلغ أكثر من 300 رأس نووي، فضلاً عن وسائل الإطلاق والقصف التي تطال أبعد نقطة عربية على المحيط الأطلسي غرباً وجنوب السودان.
وهذا يفضح ازدواجية المعايير الدولية والغربية، التي تحاكم البريء بالاشتباه وتطلق الحبل على الغارب للمتهم الحقيقي. في السياق نفسه يندرج بيان البيت الأبيض ضمن محاولات إبراء ذمة إسرائيل من شن هجوم عسكري على موقع سوري في شهر سبتمبر الماضي، وربما التمهيد لهجمات أخرى مقبلة.
يضاف إلى ذلك أن الاتهام الجديد يجيء بعد جولة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ومباحثاته في دمشق، وتبشيره بقبول سوريا لاستئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل، بما يعني أن هناك أجندة أخرى لخلق الأزمات وإجهاض آمال السلام، بل وجعله مجرد سلام مخادع يضع المنطقة على حافة هاوية.
والحاصل أنه لا يمكن فهم مغزى بيان البيت الأبيض ضد سوريا إلا في ضوء سياق التطورات الجارية في المنطقة. فمن جهة أجهضت إسرائيل مبادرة التهدئة التي تبتنها حركة حماس قبل أن يجف مدادها، ورفضتها واعتبرتها (غير جدية) لا لشيء إلا لتبرير استمرار الحصار الخانق لغزة، وجعلها صداعاً في رأس النظام العربي، وفخاً للإيقاع بمصر، وإشعال نزاع لا أساس له مع القاهرة يدفعها لفض يدها من الملف الفلسطيني، حتى يمكن تمرير تسوية يتم طبخها لغير صالح الشعب الفلسطيني.
الخلاصة أن بيان الاتهام الأميركي لدمشق بإقامة تعاون نووي عسكري مع كوريا الشمالية وبناء مفاعل وبرنامج نووي، لا يعبر عن مجمل ساحة صنع القرار الأميركي، بل يرتبط فقط بإدارة غاربة توشك على الرحيل، وتعاند في الاعتراف بالفشل، ولا تمتلك القدرة على مراجعة الذات، والتعلم من دروس الماضي القريب، وأولها أن المصالح الأميركية تصان بأفضل وسيلة في ظل السلام والاستقرار وإقامة جسور تواصل وصداقة، وليس عبر دق طبول الحرب وإطلاق نفير التهديد وبيانات الاتهام، فالمنطقة العربية لديها فائض من الأزمات يكفي لإنهاك قارات العالم، وهي أزمات من صنع الخارج.
والأمل معقود على أن ينتبه الجميع إلى أن المنطقة العربية بحاجة لمشاريع سلام واقعية تصب لصالح الجميع، وتتيح استمرار خطط التعاون والتنمية بين العرب والعالم.
