لا تكتشف قوة أي ظاهرة إلا بالتصدي لها أو معاكستها، وهكذا بات المجتمع الكويتي يتلمس حجم الخراب الذي حل بالعملية الانتخابية على مدى عمر الديمقراطية الحديثة فيها، حينما استفاقت الدولة من غفلتها وسباتها العميق لتقلب الأوضاع وتضعها على سكتها الصحيحة، بعد أن أضحت القبلية والطائفية والفرعيات بجميع مسمياتها فضلاً عن شراء الأصوات واستغلال جهاز الحكومة لإسداء الخدمات والتنفيع تهدد كيان الدولة، بل وتهدد النسيج الاجتماعي الذي توارثه الكويتيون ونعموا بحياة وادعة في ظله.
فقد شهدت الحملة الانتخابية اعتقالات لمنظمي الفرعيات، وهي التسمية التي يطلقها الكويتيون على الانتخابات التمهيدية التي تجريها القبائل لاختيار مرشحيها، وهي انتخابات ممنوعة وفق قانون سنّه مجلس الأمة في العام 1998. ولم تكتف الدولة ممثلة بوزارة الداخلية بمنع الفرعيات وملاحقة منظميها، بل تحاول جاهدة هذه الأيام ضبط الذين يحاولون شراء الأصوات، وهذه العملية يتم بمقتضاها دفع مبالغ للناخبين (وصل سعر الصوت الى حوالي خمسمئة دينار، أي حوالي 1800 دولار تقريباً)، حيث يتعهد الناخب أن يدلي بصوته للمرشح بعد أن يقسم على القرآن، أو أن يقدم شهادة جنسيته للمرشح بحيث يحجب صوته عن مرشح آخر.
ومع دنو يوم الاقتراع وهو السابع عشر من مايو يزيد سعر الصوت، وكان في الانتخابات السابقة، التي كانت تجرى على نظام الخمس والعشرين دائرة يصل إلى ألفين بل ثلاثة آلاف دينار! أما في هذه الانتخابات فإن السعر لن يزيد كثيراً على ذلك المبلغ للعدد الكبير من الناخبين الذين تحتويهم كل دائرة!
ونظراً لتحذير وزارة الداخلية من إجراء مثل هذه الانتخابات فضلاً عن شراء الأصوات، فقد أخذ منظمو الفرعيات ومنسقو شراء الأصوات يتفننون في مهنتهم، ومنها عمليات الانتخاب بالعينة، حيث يتوجه هؤلاء الناخبون إلى دواوين محددة لانتخاب مرشحيهم، أو الاتصال على أرقام معينة تكون موضوعة في مركز معين، عادة ما تكون ديوانية رئيسية.
وقد استخدم التصويت بالكمبيوتر عبر شبكة الإنترنت في حالات أخرى، وفي بعض الأحوال تخلى بعض الناخبين عن قيادة سياراتهم وانتقلوا بسيارات الأجرة اتقاءً لرصد أرقام سياراتهم الأصلية من قبل المباحث ، إلى غير تلك الوسائل المبتكرة التي تواكب روح العصر تقنياً وتخالفها بالطبع سياسياً!
فروح العصر تقول ان الانتخابات هي الوسيلة المثلى للتعبير عن تطلعات الأمة، حيث يختار كل فرد بمحض إرادته من يفوضه في الهيئة التي تتكلم باسمه وتعبر عن اختياره. وشراء الأصوات والفرعيات بصورها وأشكالها المختلفة والتنفيع وغيرها إنما هي وسائل تشوه عملية الاختيار تلك، وبالتالي يكون محصلة ذلك التشويه هيئة مزورة لا تمثل الأمة ولا تعكس الاختيارات الحقيقية لجموع شعبها. ولذلك، تحرم كافة الدول الديمقراطية تلك الوسائل بوصفها وسائل غير مشروعة، وتفرض عقوبات غليظة على من يمارسها وعلى رأسها منعه من ترشيح نفسه لأي هيئة منتخبة لأنه خان الأمانة.
ومن المعروف في الحياة السياسية في الكويت أن بعض الأطراف في السلطة كانت المستفيدة، بل الداعمة للانتخابات الفرعية وشراء الأصوات وعمليات تسهيل خدمات الدولة للبعض، التي لم تشمل أبناء القبائل فحسب، بل امتدت إلى الحضر أيضاً، وكان أسوأها تلك الانتخابات الفرعية التي جرت في العام 1981 إبان الحرب الإيرانية العراقية والتي كان لها تأثير في تأجيج الصراع الطائفي.
وكان الهدف من ذلك هو التحكم في نتائج العملية الانتخابية، بيد أن نتائج تلك العملية، مع مرور الوقت، أصبحت غير مضمونة، إذ ركبت الجماعات الدينية المنظمة موجة الفرعيات القبلية والطائفية لتصل بواسطتها إلى سدة المجلس ولتشكل كتلة شعبوية يصعب بالمقاييس المعقولة الاستجابة لمطالبها!
والجماعات الدينية هي جماعات منظمة تعمل بتنسيق ووفق برامج ولها قواعد ملتزمة بين أبناء كل القبائل والطوائف، ولها إمكانيات مالية هائلة تتمثل في اللجان الخيرية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، عدا عن مؤسسات ومقرات وغيرها، وهي تختلف اختلافاً بيناً عن أولئك البسطاء من «نواب الخدمات» الذين عادة لا تكون لديهم مطالب سياسية ويكون وجودهم مرهوناً «بولي نعمتهم» الذي يسهل عليهم تحقيق الخدمات الشخصية لهذا أو ذاك من المواطنين.
وهؤلاء النواب كانوا لفترة معينة هم المستفيدون الأساسيون من الانتخابات الفرعية وشراء الأصوات. إذن، اتضحت خطورة الممارسات السابقة المتمثلة بالفرعيات وشراء الأصوات وتخريب ذمم الناخبين بتحقيق الخدمات، إذ قد يستفيد منها ـ وهذا ما حصل بالفعل كما بيّنا ـ من يمتلك القدرات المالية والتنظيمية وهي تحديداً الجماعات الدينية، وهو ما يدخل البلاد في أزمات كالتي مرت بها الكويت في السنوات الماضية، حيث لم يعمر هذا المجلس سوى نصف عمره الذي كان سيمتد إلى العام 2010 لولا الحل الدستوري الذي جاء بعد أن تردى أسلوب الخطاب ليصل إلى الحضيض!
وكل المخلصين يؤيدون توجهات رئيس الوزراء الحالي الشيخ ناصر المحمد الإصلاحية، التي من ضمنها إجراء انتخابات نظيفة، يتم فيها تطبيق قانون الانتخاب الذي يحرم شراء الأصوات والانتخابات الفرعية وغيرها من الممارسات التي تخرج الديمقراطية عن معناها الصحيح. وإذا ما استمرت الحكومة في مسعاها الحالي، فإن مجلساً يمثل الكويتيين بصدق سوف يتم انتخابه، وسيكون هذا المجلس انعكاساً صادقاً لتوجهات الشعب الكويتي نحو الاستقرار والتنمية والاستفادة من عائدات النفط الضخمة التي بدأت تدخل خزينته.
كاتب كويتي