مع تكرار ظهور الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري وتعليقه المتتالي على الأحداث الجارية في العالم الإسلامي بدا واضحا أنه لا يمكن القطع بأن الخطر الذي يمثله التنظيم على الولايات المتحدة وحلفائها قد انزاح تماما، خاصة أن رد فعل واشنطن على حدث 11 سبتمبر تعدى حدود التعامل مع القاعدة على أنه جهة محدودة القدرات بإمكانها أن تزعج دولا صغيرة أو متوسطة القوة، كما كانت عليه الحال في السابق.

وبدأ التوجه الذي أخذ يتبلور لدى الإدارة الأميركية منذ تفجيرات نيويورك عام 1993 يدفع الأمور في طريق التعامل مع التنظيمات «الراديكالية الإسلامية» بجدية، وفي إطار شامل، أمني وعسكري واقتصادي وسياسي وإعلامي.. الخ، الأمر الذي جعل المواجهة تأخذ طابعا عالميا.

ومع أن واشنطن تتعمد التهويل من قدرات القاعدة حتى تبرر سلوكها الدولي الراهن، والذي يهدف بالأساس إلى تلبية ما تتطلبه إستراتيجية أميركية تتعدى حدود قضية الإرهاب بكثير، فإنه لا يمكن تجاهل أن القاعدة ليس بالتنظيم الهين، نظرا لعدة اعتبارات، أولها يتعلق بالدور الذي تمارسه «الأيديولوجية الدينية» في تعبئة أعضائه وشحنهم معنويا حيال ما يرى التنظيم أنهم أعداؤه.

وهذا الجانب «العقائدي» يجعل الاستسلام للعدو أمرا مرفوضا، فهو بمنزلة التولي يوم الزحف، وفي الوقت ذاته فالعقيدة تمد أعضاء التنظيم بقدرة فائقة على مواصلة القتال، أو الصبر على مكاره التشرد والهروب المؤقت، حتى يمكن رص الصفوف مجددا استعدادا لجولة جديدة من النزال.

وثاني هذه الاعتبارات يرتبط بالانتشار الجغرافي لأعضاء القاعدة. فالتداعيات التي ترتبت على 11 سبتمبر أظهرت أن هؤلاء قد ساحوا في قارات العالم الست، وتمكنوا من تكوين «خلايا» و«تنظيمات» صغيرة، بعضها يرتبط بمركز التنظيم في أفغانستان وبعضها يعمل منفردا، مستغلين ما أتاحته ثورة الاتصالات، وما اكتسبوه من خبرة في التمويه والخداع عن طريق استعمال الشفرات والأسماء المستعارة وأنماط السلوك المغايرة لتلك التي يفرضها الإسلام، أو تحددها أيديولوجيات وتصورات الجماعات الإسلامية الأصولية.

وهذا الانتشار الجغرافي يجعل بإمكان التنظيم أن ينال من المصالح الأميركية في أي مكان، طالما سنحت له الفرصة لفعل ذلك، خاصة أن كثيرا من العمليات من هذا القبيل لا تتطلب إمكانيات كبيرة. وإذا كانت الضربة الأميركية لأفغانستان قد نالت من «مركز تنظيم القاعدة» وأثرت على اتصاله بالخلايا والجماعات المنتشرة في شتى أرجاء المعمورة، فإن التجربة الحركية للتنظيمات الإسلامية تظهر أن الخلايا الصغيرة بإمكانها أن تتصرف بشكل منفرد حين تدعو «الضرورة» إلى ذلك، دون الرجوع إلى القادة الرئيسيين، وأنها تسارع إثر ضرب التنظيم الرئيس أمنيا أو عسكريا إلى التمركز حول قيادة فرعية صغيرة، ومعاودة نشاطها من جديد.

وقد فطن التنظيم إلى هذا الأمر مبكرا فعمد إلى تكوين «خلايا نائمة»، خاصة في البلدان التي تطل على معابر مائية رئيسية تستخدمها الأساطيل الأميركية في تحركها، مثل اليمن، حيث مضيق باب المندب، والمغرب، حيث مضيق جبل طارق، أو في البلدان التي تتركز فيها القوات الأميركية بكثافة مثل منطقة الخليج العربي. ومن ثم بدا التنظيم كجبل الثلج، نصفه يطفو فوق الماء فيبدو سانحا للصياد الأميركي، والنصف الثاني غاطس في الأعماق السحيقة، يحتاج إلى جهد كبير للوصول إليه، والتعامل معه.

أما الاعتبار الثالث فيتمثل في الكفاءة القتالية لعناصر تنظيم القاعدة، إذ عركتهم تجربة الجهاد الطويلة في أفغانستان، فباتوا قادرين على أن يخوضوا معارك في ساحات مفتوحة، تسمى في الاصطلاحات العسكرية ب«الأرض الصعبة»، كما أنهم قادرون على شن حرب عصابات وخوض قتال في المناطق الجبلية الوعرة، التي يسميها العسكريون «الأرض السهلة»، وذلك على عكس ما هو شائع عن السهل والصعب من الأرض حسب منطق الجغرافيا المعروف.

وهذه الساحة القتالية لا تقتصر على أفغانستان فقط، بل يمكن أن نتخيلها في أي بلد تريد فيه الولايات المتحدة ملاحقة عناصر القاعدة، مثل ما هي الحال بالنسبة لليمن وجورجيا والفلبين في الوقت الراهن. والاعتبار الرابع يتعلق بوجود متعاطفين مع تنظيم القاعدة، إما كراهية في أميركا أو حبا في بعض الشعارات والتصورات الدينية الزائفة التي يرفعها التنظيم، خاصة ما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي. وهؤلاء فضلا عن أنهم يشكلون على الدوام أعضاء محتملين في التنظيم فهم قد يمارسون سلوكا يضر بالمصالح الأميركية.

والاعتبار الخامس هو أن القاعدة بات يشكل الطرف الذي من الممكن أن تتجه إليه أصابع الاتهام كلما تعرضت مصالح أميركا وحلفائها إلى هجمات، وهذا الوضع يغري بعض أعداء واشنطن، سواء كانوا دولا أم منظمات سياسية، من تدبير عمليات ضد المصالح الأميركية، وهم متأكدون من أنهم سيبتعدون عن دوائر الاتهام، خاصة أن الولايات المتحدة تعمد إلى إلصاق كل ما يضرها بتنظيم القاعدة، من أجل تبرير حملتها الدولية الراهنة ضد «الإرهاب»، والتي تحصد واشنطن من ورائها مكاسب ملموسة. كما أن هذا الوضع قد يدفع بعض الجهات في وقت ما إلى التعاون من القاعدة، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر، من أجل القيام بعمليات ضد واشنطن.

هذه الاعتبارات تجعل تنظيم القاعدة باستطاعته أن يشكل إزعاجا لأميركا في المدى المنظور، بل إن حلفاء واشنطن، أو حتى الدول الغربية التي يصنفها التنظيم في خانة العدو مرشحة لأن تدخل في الدائرة التي قد تطالها أذرعه. لكن كل هذا لا يعني أبدا أن القاعدة اليوم لا يزال يحوز القوة التي كان يملكها عام 2001، فالضربات المتلاحقة أرهقته، لكنه لم يفقد القدرة على أن يٌسمع العالم صوته، وليس هناك ما يمنع أن يتمكن من ارتكاب عمل إرهابي سواء في الشرق الأوسط أو على أراضي الدول الغربية.

كاتب مصري