كأنما العصر الغريب الذي نعيش فيه لم يكفه الظلم المعولم والحروب الإقليمية المتفجرة والتهديد باللجوء إلى السلاح النووي وتفشي الأوبئة وتفاقم الفقر وتصحر البيئة ونقصان المياه وتقلص الأخلاق وانهيار العراق وخنق غزة وتعفن أفغانستان، كأنما لم تكفه الهجرات البشرية التي خلفت ملايين اللاجئين ولا حركات العنف الرسمي والعشوائي ولا ضحايا التمييز والعنصرية.
فجاءت ثورات الخبز في عدة بلدان من جنوب الكوكب الأرضي تنذر بالشر وتعلن تمرد المواطن البسيط لا من أجل أيديولوجيا أو بدافع المزاحمة على السلطة أو بتحريك من الأحزاب أو بواعز من طائفية بل بكل عفوية لأنه لم يعد يأكل إذا جاع ولم يعد يشرب إذا عطش.
ومن الرموز المخيفة أن نشاهد على الشاشات مزارع الأرز في تايلند محروسة بالجنود المدججين بالسلاح وبأن مخابز الجيش المصري هي التي قامت بإعداد ملايين الأرغفة من العيش للمواطنين الغلابة، وبأن كيسا من الرز تحول في الفليبين إلى كنز ثمين لا يظفر به المرء في مانيلا سوى بالواسطة، وبأن رغيف الخبز في بلدان عربية أخرى حافظ على سعره لكن نقص وزنه فأصيب بالهزال خشية الإعلان عن الترفيع في سعره.
نعم هذا هو المنعطف الذي دخلته البشرية هذه الأيام في كل من آسيا وإفريقيا وبعض بلاد أميركا الجنوبية، هذا الوضع نعته عالم الاجتماع السويسري المتمرد الشهير(جون زيجلار) مستشار منظمة الأمم المتحدة للتغذية بأنه وضع يشير إلى جريمة منظمة ضد الإنسانية وبأنه يمهد لكارثة غير مسبوقة.
العالم العربي الذي يهمنا أمره هنا ليس في مأمن حصين من هذه الهزة القوية، فهو ينتمي إلى النصف الجنوبي المحروم من نعمة انتظام الأمطار،ومن قلة الموارد الطبيعية ويعاني من سوء الخيارات التربوية والاقتصادية التي عصفت بمستقبل مجتمعات عربية عديدة حين أساءت انطلاقتها منذ الحصول على استقلالها فأهملت زراعتها وغيرت طبيعتها الحضارية باحتضان خيار السياحة مثل المغرب وتونس، أو خيار الصناعة الثقيلة مثل الجزائر أو خيار الكتاب الأخضر مثل ليبيا على حساب خدمة الأرض وتنويع الزراعات وتكوين الكوادر المهندسة والخبيرة في الفلاحة التي هي وحدها الكفيلة بضمان الاكتفاء الغذائي الذي هو سر الاستقلال الحقيقي.
والنتيجة كما نرى اليوم بعد نصف قرن من استقلال هذه البلدان ارتهان متفاوت المخاطر في خبزها اليومي لأنها مضطرة أما للاستيراد أو للمعونة الغذائية من دول أوروبا والولايات المتحدة.
كما أن للسياحة مساوئ بدأت تهدد التوازن الاقتصادي وأيضا الأصالة الحضارية والمصالح الحيوية لكثير من البلدان، لأن قضية الماء على سبيل المثال أصبحت مطروحة في بلدان أعطت للقطاع السياحي الأولوية على حساب الزراعة، فالسائح الأوروبي البسيط يستهلك مابين المسبح والاغتسال يوميا من الماء الصالح للشراب ما تستهلكه أسرة كاملة لمدة أسبوع كما أن ملء مسبح للاستجمام يستهلك من المياه ما يصلح لري هكتار من الأرض، بالإضافة إلى أن أغلب الفنادق شيدت على أراض زراعية.
وقس على هذا الأخطاء الفادحة كذلك الخيارات التربوية المنحرفة حيث كان الاتجاه في عديد الدول العربية منذ عقود لتخريج جيوش من الموظفين، وتم احتقار الزراعة لتوجيه الشباب غير المتفوق أو الميؤوس منه ليدرس علوم وتقنيات خدمة الأرض بينما هي الأصل وهي الجوهر، بل من العار أن تجد في بعض المجتمعات العربية مثل مصر بأن نعت (فلاح) يعني سبة واهانة وحطا من الكرامة! ونعاين اليوم عزوفا للشباب العربي من كل ما يتعلق بالأرض نتيجة خياراتنا التي أساءت التقدير وقلبت الأولويات.
بالطبع فإن أسباب الأزمة الغذائية الحادة لا تقتصر على هذه الخيارات الخاطئة والتي يمكن تلافيها من قبل الحكومات والمجتمعات المدنية، فإن الأسباب الهيكلية تتصل بتناقص المساحات المعدة للزراعة في كثير من البلدان حيث خصصت لإنتاج محاصيل تصلح كوقود بديل للسيارات أملا مغشوشا في تعويض طاقة النفط، ثم في تزايد الطلب في المجتمعات الصاعدة كالصين والهند على المواد الغذائية الأساسية من أرز وقمح وسكر وزيوت مما رفع من أسعار هذه المواد إلى درجة المضاربة فيها وتخزينها والاتجار غير المشروع فيها.
وإذا أضفنا إلى هذه الأسباب الهيكلية أسبابا أعرق وأعمق أهمها تفاقم الديون المتخلدة بذمة بلدان الجنوب (2100 مليار دولار) نفهم فداحة الأزمة لأن هذه الدول المستدينة تجد نفسها اليوم غير قادرة على تسديد الديون، وقد تورطت العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب في مأزق هذه الديون منذ نصف قرن وتحولت العلاقات بين الأمم إلى نخاسة عملاقة جديدة والى استعباد الناس بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
وما قضية الهجرات غير الشرعية واستنزاف البلدان الفقيرة في عقولها سوى ثمرة مرة لها الوضع الشاذ. وحين يقول مدير صندوق النقد الدولي دومينيك ستراس كاهن هذا الأسبوع بأن الأزمة الراهنة يمكن أن تؤدي بالبشرية إلى حرب كونية مدمرة فهو لا يبالغ ولا يهول لأن كل الحروب الشاملة في التاريخ بدأت بكسر التوازن الطبيعي وانتشار المجاعات وتفاقم الجور.
فالعالم في الشمال لا يزال متخما ولا تزال الشركات العابرة للقارات تلقي بملايين أطنان الحبوب والأرز في البحر حتى لا تتأثر الأسعار ولا تنقص الأرباح ولا تزال حرب العراق وحدها تكلف الميزانية الأميركية 3000 مليار دولار أي حسب عالم الاقتصاد الأميركي الحائز على جائزة نوبل (جوزيف ستيجليتز) فإن تكاليف هذه الحرب الخاسرة وحدها بإمكانها إطعام جياع العالم بأسره! ولكن هذا ملف مختلف ويستحق كتاباً لا مقالاً.