لا أحلاف عسكرية إلا في مواجهة تهديد أو عدو، ولا أحلاف دائمة إلا بدوام هذا العدو أو هذا التهديد، ولاأحلاف كبرى إلا لخدمة مخططات الدول الكبرى على حساب الدول الصغرى، وهذا ما يطرح السؤال.. لماذا يستمر حلف شمال الأطلسي الأورو أميركي، ولماذا يتوسع شرقا ويتمدد عربيا على ضفاف الخليج والمتوسط.. ومن هو العدو الجديد بعد غياب التهديد السوفييتي وحل حلف وارسو.. وبعد ؟

في الحرب العالمية الثانية تحالف الاتحاد السوفييتي مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا وفرنسا ضد العدو المشترك ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية واليابان، وبعد انتهاء الحرب بانتصار الحلفاء على دول المحور، تفكك التحالف الروسي الأميركي وانقسم الحلف الواحد بخلاف أيديولوجي واقتصادي على اقتسام النفوذ في العالم بعد النصر إلى حلفين الأطلسي في الغرب ثم وارسو في الشرق، لكل حلف عدوه الجديد.

ودخل العالم في حرب عالمية باردة جديدة تهدد الأمن والسلام في العالم كتم العالم أنفاسه فيها مرتين حين كادت تحدث المواجهة المباشرة بين الدولتين العظميين، لكن ما وقف مانعا أمام سخونتها هو توازن القوى الاستراتيجي للسلاح النووي،و غياب الفراغ بما لا يسمح بتمدد طرف في فراغ الطرف الآخر.

ومع تنامي إحساس الشعوب الأوروبية بالخطر وبرفض استمرار الانقسام والوصاية الأميركية في الغرب،عبرت السياسة الفرنسية الديجولية عن ذلك بضرورة استقلال أوروبا ووحدتها، واعتمادها على سلاحها النووي لحماية نفسها والخروج من تحت المظلة الأميركية.

ومع ذات الإحساس الشعبي في أوروبا تجاه الوصاية الروسية في الشرق نشأت محاولات مماثلة للخروج من تحت المظلة الروسية أبرزها ما حدث في المجر عام 1956لشغل روسيا بالمجر عما سيجرى من عدوان ثلاثي على مصر بعدها بأيام بعد تأميم قناة السويس، وفيما بعد في تشيكوسلوفاكيا وبولندا.

ولأن ألمانيا كانت محور الحرب العالمية، وكان انقسامها بعد الحرب أوضح مثال على انقسام العالم، وكان سور برلين الذي يقسم العاصمة «برلين» إلى قسمين هو الرمز البغيض للهزيمة الألمانية ولانقسام أوروبا،وبضغط شعور الشعب الألماني في القسمين برفض الوصاية في الجانبين، وبشوق هائل لاستعادة الوحدة القومية، فلقد تجمع الشعب الألماني لتحطيم الجدار الفاصل بين الشرق والغرب.

ومع انهيار الجدار الحدودي المصطنع بإرادة القوتين الكبريين، ومع المتغيرات السياسية الدراماتيكية التي وقعت في الاتحاد السوفييتي مع سياسات جورباتشوف الجديدة والتي انتهت لاحقا بتفكك الاتحاد السوفييتي، بدت رياح التغيير تحدث المتغيرات ذاتها في دول أوروبا الشرقية، وبدا للجميع أن انهيار سور برلين يمثل بداية نهاية الحرب الباردة بعد أن مثل بداية نهاية الانقسام الأوروبي، وبداية البداية لبناء الوحدة الأوروبية.

وكنتيجة منطقية لهذه المتغيرات الأوروبية بآثارها العالمية، بغياب القطب الأعظم السوفييتي عن النظام الدولي الثنائي القطبية، وغياب حلف وارسو اختل التوازن الاستراتيجي العالمي الذي كان يحفظ هذا النظام من الجموح أو الجنوح لإحدى القوتين، بانفراد الولايات المتحدة بالقمة الدولية كقوة عظمى وحيدة تسعى للهيمنة على العالم.

لكن الذي بدأ ويبدو غير منطقي هو استمرار تنامي حلف الأطلسي بعد حل حلف وارسو، وانتهاء انقسام العالم وزوال خطر التهديد الروسي، بل الأكثر مدعاة للغرابة والريبة هو اتجاه الحلف لتغيير دوره من حماية أوروبا والدفاع عن أعضائه فقط إلى التمدد خارج أوروبا خصوصا باتجاه دول المتوسط العربية الست ودول الخليج العربي الست تحت لافتات مختلفة وشعارات خادعة لمواجهة عدو بديل جديد..

والتوسع شرقا بأهداف جديدة وصولا على ما يبدو لضم إسرائيل لا لتطويق روسيا وإيران فقط بل للسيطرة على الشرق العربي الإسلامي كله، نفاذا من ضعفنا بفعل انقسامنا، وتمددا في فراغنا بفعل غياب مشروع عربي إسلامي للأمن الإقليمي.. خصوصا بعد تحول الناتو إلى ذراع عسكرية ليس للأمم المتحدة وإنما لخدمة مشروع القرن الأميركي للهيمنة على العالم.

mamdoh77t@hotmail