هل بقي في العراق مرفق عام لم تطله بالتدمير الشامل يد الاحتلال الأميركي؟ انهارت شبكة المياه وشبكة الصرف الصحي.. وأصاب العطل البنيوي محطات توليد الكهرباء. ولم يبق في المستشفيات التي تخلو من الأدوية تجهيزات صالحة سوى المشرحة. وفي هذه الأثناء تنتشر أوبئة في مقدمتها الكوليرا، على خلفية انتشار الجوع وسوء التغذية. مع ذلك تدعو الولايات المتحدة الدول العربية إلى أن تتحمل عبء إعادة إعمار العراق، وكأن العرب وليس أميركا نفسها هم القوة الغازية الاحتلالية.
كما كشف أكاديمي اقتصادي أميركي مرموق فإن الإنفاق العسكري الأميركي على الحرب والاحتلال في العراق بلغ خلال خمس سنوات 300 ألف مليار دولار. ولو أنفقت إدارة ما نسبته 10 في المئة فقط من هذه الأموال الأسطورية ـ أي 300 مليار دولار لا غير ـ على برمجة إعمارية لصار العراق دولة نموذجية في العالم الثالث على الإطلاق.
لقد صدرت الوعود الأميركية إلى الدول العربية على لسان وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ضمن سياق عام حثت فيه الدول العربية على الاستجابة إلى دواعي «العروبة»، باعتبار أن العراق أيضاً دولة عربية، وبالامتداد دعت الحكومات العربية أيضا إلى التضامن مع حكومة العراق، والاصطفاف معاً في جبهة عربية موحدة في وجه «الخطر الإيراني».
واشنطن تريد إذن اصطياد عصفورين بحجر واحد، تحميل العرب مسؤولية تمويل خطة طموحة لإعادة بناء ما دمره الاحتلال في العراق من ناحية دون أن تخسر واشنطن دولاراً واحداً، وتحريض العرب جماعياً على إيران، من ناحية أخرى. وفي الحالتين تستفز الإدارة الأميركية مشاعر القومية العربية لدى حكومات العالم العربي.
قد يبدو هذا النوع من «التكتيك» السياسي الأميركي جديداً. لكنه ليس كذلك تماماً. ولنقلب صفات الماضي القريب، وفي أواخر ستينات القرن المنصرم، أنشئ بإيعاز وتخطيط من الولايات المتحدة في عهد الرئيس ليندون جونسون ما أطلق عليه «الحلف الإسلامي». وتحت الإشراف الأميركي كانت عضوية الحلف تتكون من دولة عربي وبقيادة إيران الشاهنشاهيه.
وقد انتقيت صفة «الإسلامي» للحلف خصيصاً ليمثل الحلف خطاً سياسياً مناوئاً لتيار القومية العربية، الذي كان سائداً في ذلك الحين بزعامة مصر الناصرية، علماً بأن إيران الشاه كانت آنذاك الحليف الإقليمي الأول لإسرائيل في المنطقة، مع ذلك فإن من الغريب الآن أنه بينما تدعو واشنطن العرب إلى التضامن في جبهة موحدة مع العراق موجهة ضد إيران، فإن الحكومة العراقية نفسها التي تتحالف معها الولايات المتحدة تتكون من أحزاب ومنظمات الائتلاف الشيعي المحلي المتحالفة بدورها مع إيران.
وفي مقدمتها «حزب الدعوة» الذي يمثله رئيس الوزراء نوري المالكي، وحزب «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» بزعامة عبدالعزيز الحكيم! صفوة القول إن الولايات المتحدة فقدت بوصلتها السياسية في العراق. ومع تفاقم ورطتها هناك فإن سياستها تتخبط وتتناقض. فهل تدرك الدول العربية حقائق هذا الوضع فتتوخى الحذر؟