الإعلان الإسرائيلي المفاجئ عن الاستعداد للتخلي عن الجولان مقابل السلام مع سوريا؛ يدعو إلى الارتياب. ليس فقط لناحية جدّيته وجدواه؛ بل أيضاً لجهة أن يكون من نوع الكلام المعسول، المقصود منه التمويه والخداع. الخلفية والسوابق، فضلاً عن معطيات اللحظة الراهنة واحتقاناتها في المنطقة؛ كلها تفرض الحذر؛ بل التوجس من هذه الهبّة، التي أريد أن يكون لها وقع الصدمة.
هي تأتي دفعة واحدة، من دون مقدّمات ولا تمهيدات، في وقت تتوجه فيه الأنظار وتتصوّب الاهتمامات، نحو ملفات أخرى ساخنة تهدّد بالانفجار؛ من غزة، إلى لبنان، ناهيك عن العراق الملتهب أصلاً وبالملف النووي الإيراني الحاضر دائماً، على الطاولة. وبذلك فإن التوقيت بحدّ ذاته مشحون بالشبهات. لاسيما وأن هناك في الخلفية ما يعزز التساؤلات وعلامات الاستفهام. فقد سبق لسوريا أن طرحت موضوع التفاوض من غير شروط. لكن إسرائيل لم تتوقف عند ذلك الطرح.
ثم قيل وتردّد أكثر من مرة، وفي الصحافة الغربية والإسرائيلية، أن واشنطن غير راغبة في تحريك المسار السوري، في هذه المرحلة. كذلك التوجه الإسرائيلي نفسه كان، كعادته، وحتى الأمس القريب؛ في مكان آخر، على النقيض من تلهفه المفاجئ على السلام، فلم تمرّ بعد سوى أيام قليلة على أوسع وأضخم مناورات عسكرية، قامت بها في تاريخها. كما ان الغارة الجوية التي قامت بها، في سبتمبر الماضي، على موقع في العمق السوري؛ لم ينقشع غبارها بعد. ثم إن الخطاب الأميركي، تجاه سوريا، لا يزال على حدّته.
آخر فصول هذا الخطاب اتهام دمشق بأنها حاولت بناء مفاعل نووي لإنتاج البلوتونيوم، بمساعدة كوريا الشمالية. التهمة، كما تزعم الإدارة، مبنية على شريط فيديو، زوّدت إسرائيل واشنطن به، منذ الصيف الماضي. إذا كانت المناخات على هذه الحال، فما الذي (عدا مما بدا) حتى تهبط هذه «الصحوة السلمية» على أولمرت؟
المعروف أن إسرائيل تتقن لعبة المفاجآت وتحويل الأضواء، من قضية لأخرى، وتلجأ، عادة، إلى مثل هذه الحيلة؛ عندما تضيق مساحة المناورة أمامها. أو عندما يتطلب الظرف القيام بعملية إلهاء وتضليل عما تنوي الإقدام عليه من تصعيد ضد إيران بموافقة أميركية أو بالاشتراك معها وكذلك الاستمرار في حصار غزة الخانق والذي تتوالى التحذيرات ـ وبالذات من دوائر دولية ووكالة غوث اللاجئين ـ من احتمال تسببه، لو استمر، في كارثة إنسانية؛ وضع ممارساتها العنصرية، تحت الأضواء الكاشفة.
ولا تبدو مجرد صدفة أن تطلع هذه الهبّة إلى العلن في اليوم ـ أمس ـ الذي اجتمع فيه الرئيس الفلسطيني بالرئيس بوش في البيت الأبيض؛ علماً بأنه ليس في جعبة الرئيس الأميركي شيء مفيد لضيفه الفلسطيني. وربما تكون قنبلة أولمرت قد جرى تفجيرها بالتنسيق مع البيت الأبيض؛ كجزء من لعبة تغيير الأولويات؛ تخففاً من الضغوط وتهرباً من الالتزامات.
ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها إسرائيل عن «السلام». ولا هي المرة الأولى التي تكشف فيها عن رغبة مزعومة في مقايضة الجولان بتسوية سلمية مع دمشق. ما يسمى بوديعة رابين، في هذا الخصوص، معروف. وأيضاً المعروف أن كل ما تردّد في هذا المجال بقي حبراً على ورق. أو أنه سرعان ما تبخّر واختفى. وفي كل حال، تبقى الترجمة هي المحك. لكن إذا كانت السوابق تفرض التحفظ الشديد؛ فإن التجربة تقضي التصرف على أساس أن عرض أولمرت مفخخ بالكثير من الألغام القاتلة.
