كشف مدير إدارة الجنسية والإقامة بدبي منذ أيام عن إقالة مسؤول بارز لم يحدد هويته بالإدارة لإصداره تأشيرات بشكل غير قانوني، لعشر شركات مقابل مئة وعشرين ألف درهم من كل شركة، وأضاف مدير الجنسية والإقامة أن هناك تحقيقات تجرى مع هذا المسؤول ولم يتم الانتهاء منها بعد.
لن نستبق الأحداث فنصدر أحكاماً مسبقة على من اتهموا بقضايا تصنف على انها من قضايا الفساد، ولن نتحدث أو نوغل في البحث في هوية وجنسية من قام بذلك لأننا لا نفرق في الفساد وفي خيانة الأمانة بين مواطن وغير مواطن فكلاهما في نظر الجميع فيما لو ثبتت إدانته مفسد.
لكننا سنتحدث عن الفساد نفسه الذي أصبحنا نقرأ ونسمع عنه في الصحف المحلية وكأن دائرته قد بدأت تتسع على أيدي مسؤولين وموظفين كبار كنا نعتقد انهم يترفعون عن مسائل وقضايا ذات ارتباط بالفساد من قريب أو بعيد لسبب بسيط، وهو ان أحوالهم أفضل من أحوال غيرهم فيما يحصلون عليه من رواتب، امتيازات، حوافز وتسهيلات لا تتاح لصغار الموظفين الذين يقضي معظمهم ليله ونهاره كادحاً أو مفكراً في فرصة تتيح له توسيع دائرة دخله الذي ربما لا يكفيه حتى نهاية الشهر ومع ذلك يترفع عدد كبير منهم عن التورط في قضايا خيانة الأمانة أو الفساد، ولو كان الواقع يثبت خلاف ما نتحدث عنه بالنسبة لصغار الموظفين لوجدنا الدولة كلها تعج بالمفسدين والفساد!
ربما يقول قائل ان ما تم الكشف عنه من حالات فساد وخيانة أمانة ليس بالأمر الذي يفترض ان نسلط عليه الضوء أو نبرزه خاصة ان كانوا يعتبرون ذلك شيئاً لا يذكر مقارنة بالفساد في دول أخرى. لكن الفساد وان كنا نجده اليوم ليس ظاهرة محلية الطابع بالتأكيد، إلا أنه مسألة تؤرّق الأجهزة المعنية بجميع دول العالم من دون استثناء، فالأرباح الهائلة التي تجنيها شرائح من أفراد المجتمع تغري هؤلاء بتحدّي الأنظمة الرقابية والمجازفة بمخالفة القوانين، خصوصاً إذا كانت العقوبات المطبّقة غير رادعة نسبياً، وهو ما يؤدي إلى التراجع في مستوى المؤسسات وتقدمها.
«البنك الدولي» أصدر في عام 2007 تقريراً جاءت الإمارات فيه في المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من حيث مكافحة الفساد ونوعية الأطر التنظيمية والفعالية الحكومية.
وفي دراسة أخرى أجرتها «منظمة الشفافية الدولية» بشأن معدلات الفساد بالعالم، احتلت الإمارات المرتبة الأولى عربياً والحادية والثلاثين عالمياً من حيث مكافحة الفساد، والالتزام بمعايير الشفافية الاقتصادية.
هذه المراتب التي حققتها الإمارات تفرض عليها مزيداً من الشفافية والمساءلة التي يمكنها أن تقضي على أي مظهر من مظاهر الفساد في القطاع العام أو حتى الخاص، فالضرر الواقع على القطاع العام من الفساد لا يقل في خطورته عما هو واقع في القطاع الخاص لاسيما ان كنا نتحدث عن استثمارات ضخمة تسعى الدولة لاستقطابها بكل الوسائل.
الشفافية والمساءلة ومحاكمة المفسدين والمؤسسات والشركات محاور أساسية في التنمية الاقتصادية خاصة في ظل الاقتصاد الحر الذي تتبناه الدولة، وفي ظل ما حققته من تقدم يستدعي رقابة ومحاسبة أكبر من الأجهزة المعنية لتضع حداً لهذا الفساد، الذي وان كان في الغالب سلوكاً فردياً إلا انه يعتبر خرقاً للقانون، وربما يؤدي التساهل مع المفسدين إلى خلق فئة من صغار الموظفين الذين قد يجد الواحد منهم الفساد وسيلة لنجاته وتيسير أموره.
