يكثر الكلام هذه الأيام عن الهوية الوطنية؛ وهو كلام يؤكد الاهتمام المتزايد بقضية الهوية من جانب، والالتفات إلى الأخطار المتزايدة التي تتهدد هذه الهوية وتجعل العمل على التنبه إلى هذه الأخطار يقوم على برامج نظرية وعملية تعالج هذا الموضوع الخطير الذي يجب أن يكون في سلم أولويات الدولة والمجتمع المدني؛ فالسكوت عن مناقشة هذا الموضوع بالوضوح والصراحة والدراسة المتعمقة الإيجابية، لا يصب إلا في صالح الخلل المتزايد في موضوع الهوية الوطنية.
ولعل من أهم العناصر التي تتصل بالهوية الوطنية اختلال التركيبة السكانية، مما يجعل الهوية الوطنية في حالة تحد أمام هذا العدد الكبير من الجنسيات الأجنبية، ووجود نسبة كبيرة من جنسيات بعينها، الأمر الذي يشبه أن يكون غيابا تدريجيا وسط محيط غريب لا يشبهنا ولا نشبهه، وهو ما يستدعي الوقوف على هذه المشكلة بالدراسة والبحث عن الحلول ويجعله أمراً مطلوباً بالدرجة الأولى.
ولعل من الحلول الثانوية فيما يتعلق بخلل التركيبة السكانية إيجاد بعض المزايا التي تعود بالفائدة على الوطن من وجود هذا العدد الكبير من الجنسيات، وهو محاولة تعريفهم بالثقافة الوطنية والعربية إن لم يكن إدماجهم في الثقافة الوطنية والعربية والإسلامية. ومن أهم الأمور هو جعل هؤلاء الوافدين من كل مكان يبدأون وجودهم في البلاد بتعلم اللغة العربية، بحيث يجدون تعلمها لازماً لعملهم ووجودهم، ويتعرفون شيئا عن تاريخ المكان وثقافته ورموزه، بعيدا عن الشكل الإعلامي الدعائي الذي يبقى في الغالب طافيا على السطح لا يصل إلى قلب الحقيقة ووهجها المتألق.
فليس من المقبول، ونحن ننادي بالحفاظ على الهوية الوطنية، ألا يرى الوافدون إلى بلادنا حاجة لتعلم اللغة العربية أو الإلمام بعناصر الثقافة المحلية والعربية، ولا يجدون ضرورة للتكيف مع المنظومة الثقافية والحضارية لدولة الإمارات العربية المتحدة.
إن اكتفاء الوافدين بلغاتهم وثقافاتهم لا يحرم الثقافة المحلية والعربية من فائدة محققة وحسب، ولكنه يجعل هؤلاء يعززون ثقافاتهم ولغتهم، ويجعل المواطنين أنفسهم والمقيمين من العرب يتساهلون في أمر لغتهم وثقافتهم، ويصبحون في بعض الأحيان متأثرين لا مؤثرين، ولا سيما حين نرى أن لغة الإدارة وربما طاقتها البشرية الحقيقية تنتمي إلى اللغة الإنجليزية أو إلى لغات أخرى.
ومن العناصر الأخرى التي تتصل بالهوية الوطنية مسألة اللغة العربية؛ فاللغة العربية هي لغة الدولة ولغة الوطن، وإن التفريط بها لا يخدم الهوية الوطنية بحال، فاللغة العربية نتيجة لهذا الخلل في التركيبة السكانية باتت تقصى من كثير من المؤسسات والشركات، وتتراجع تبعاً لذلك من المؤسسات التعليمية نتيجة لسياسة السوق التي تجتذب الناطقين باللغة الإنجليزية والمدربين بها تدريباً عالياّ، وهو ما انعكس سلباً على الثقافة الوطنية، فثمة ارتباط جدلي بين اللغة والثقافة حين تصبح اللغة الثانية بديلاً للغة الأولى، حيث يصبح الأمر معكوساً، فيصبح أبناء اللغة لا يعرفون لغتهم مما يجعل القضية مقلوبة على رأسها.
ومن العناصر المهمة المرتبطة بالهوية الوطنية الاهتمام بالمكان بكل فضاءاته المختلفة، والمكان المقصود هو المكان المحلي بامتداداته في الجذور العميقة في الثقافة الشعبية الأصيلة وتفريعاتها المختلفة من طقوس وعادات وأدب ومأثورات شعبية متنوعة. ولعل عنصر المكان البارز المتمثل بالمعمار ورموزه من أهم العناصر المميزة للمكان.
فكثير من الناس الذين يفدون على بلادنا يروعهم ما يرون من نهضة عمرانية واسعة، وحينما يقارنونها بأرقى البلدان في الشرق والغرب قد يجدونها تفوقها أحياناً، بيد أنهم وسط هذه الدهشة الكبيرة التي تأخذ عليهم العقول والأفئدة، يقفون عند عنصر غائب لا يقل أهمية عند المثقفين وعشاق الترحال في الكون الواسع، وهو عبقرية المكان الأصلي، أين الطوابع المعمارية الأصيلة لهذا المكان؟ طرز المعمار ووسائل العيش في السابق؟
وإذا كان الأمر لا يعني الآخرين، وهو يعنيهم بالفعل، فماذا عن الأجيال الطالعة والقادمة من أبناء هذا البلد؟ أين ذاكرتهم الشعبية والتاريخية؟ في أي مكان كان يسكن الآباء والأجداد؟ وكيف كانوا يعيشون؟ وفي أي مكان كان يعيش رموزهم وحكامهم وآباؤهم؟ لا يمكن أن تكون الأبراج وناطحات السحاب على أهميتها المادية والرمزية بديلاً عن المكان الأصيل الذي يمثل ذاكرتنا الشعبية التي يجب ألا يمحوها بريق الحضارة الخلاب. إن هذا الكلام لا ينبع من موقف رومانسي أو حنين إلى الماضي، بقدر ما هو حاجة وجدانية وثقافة وطنية ليس لها في الواقع أي بديل.
إننا في حاجة إلى أن نرى عبقرية المكان تتجسد في فننا المعماري، ليس بمحاكاة النمط المعماري القديم، ولكن أيضاً بالمحافظة على بعض البيوت والشوارع والسكيك التي تظل تعبق برائحة المكان الذي يمتد إلى فضاءات مختلفة تتناول البعد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والشعبي، وهذا الأمر وإن كان موجودا بالفعل في أماكن بعينها، فإنه بحاجة إلى تعزيز وتكثيف تتسع فيه رقعة المكان الذي يردنا إلى جذورنا، وترتفع فيه أصداء أغانينا وحكاياتنا، ويتردد فيه صدى البحر والبر الذي هو رجع جميل لماضينا.
إن حديثنا عن الهوية الوطنية والمكان يجب ألا يجعلنا ننساق وراء حلم رومانسي أو نوستالجيا غير واقعية، بمعنى أن دعوتنا ليست بديلاً للتطوير والتحديث بما يتناسب مع التطورات المختلفة في العصر الحديث، فالنهضة الحالية تتطلب مجاراة ما يجري في العالم من تطوير وتحديث. بيد أن التطوير والتحديث شيء، والانفلات من عقال المكان بثقافته ولغته وتراثه الشعبي دون مراعاة للخصوصية الثقافية والروحية شيء آخر.
ولا أحد يمكن أن يطلب من عجلة الزمن أن تتوقف لتتنكر للمرحلة الزمنية التي نعيش، فللزمن سطوته وآلياته التي تتطلب إدراك الفروق الضرورية بين التحديث والأصالة التي لا تتنكر للحداثة، ولكنها تستوعبها وتجعلها جزءاً من حركة الحياة والمجتمع والواقع.
إننا مدعوون جميعاً لمراجعة واقعنا فيما يتعلق بالهوية الوطنية، من زاوية التوفيق بين الأصالة والتحديث حتى لا نتنكر لهويتنا التي لا يمكننا أن نتخلى عنها، وحتى لا نتخلف عن ركب الحضارة في عالم لا يعترف بالضعفاء والمتخلفين.
جامعة الإمارات