اثيق الأممية والقوانين الدولية، التي تؤسس لعلاقات التعايش والتعاون المشترك على أساس المساواة والاحترام المتبادل من أجل تحقيق العدل والسلام والرخاء لشعوب العالم، ولحل القضايا والمشكلات والأزمات الدولية والإقليمية بعدالة وبالوسائل السلمية، فلا ضمانات تمنع مخاطر الحروب ولا التزامات تضمن تحقيق الأمن والسلام الذي هو شعار الجميع.

فباسم تحقيق الأمن والسلام في العالم ودون التزام بهذه الأسس، تمارس القوى الكبرى بإغراء تفوق القوة العسكرية في تنافسها السياسي الشرس على المصالح الاقتصادية وليس على المبادئ الإنسانية، كل ما هو ضد الأمن والسلام على أرض الدول الصغرى، سواء بتمدد هيمنتها السياسية وسيطرتها الاقتصادية لاحتوائها، أو بشن الحروب والغزوات لاحتلالها.

ولا شيء يدفع لتمدد طرف على حساب آخر إلا فراغ منطقة الطرف الآخر، ولا شيء يغري بالهجوم من جانب سوى ضعف الدفاع على الجانب الآخر، سواء كان هذا الفراغ أو الضعف عالمياً أو إقليمياً.

واحترام كل الحقوق الإنسانية للشعوب والتخلي عن المشروعات الإمبراطورية للهيمنة على الغير والسيطرة على ثرواته من ناحية، وعدم السماح بالفراغ أو اختلال توازن القوى من ناحية أخرى، هو المانع الوحيد للحروب والدافع الأقوى للتعايش بسلام بين القوى المختلفة، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

ومن مصلحة الأمن والسلام في العالم، ومن مصلحة الدول الصغرى خصوصا، حدوث توازن استراتيجي على قمة العالم بين القوى الكبرى المختلفة، بما يحول دون انفراد قوة وحيدة بالتفوق على بقية لقوى والهيمنة على مصير الحرب والسلام نتيجة اختلال التوازن الاستراتيجي السياسي أو الاقتصادي أو الأمني على المستوى العالمي.

فبعد حربين عالميتين كبيرتين بين القوى الكبرى الأوروبية وما خلفتاه من المآسي والفظائع الإنسانية المروعة، والخراب والدمار المادي الشامل لكل الأطراف المتحاربة، تطلع العالم إلى رفض أساليب الحرب ونشر مبادئ تحقيق سيادة السلام، فكان ميثاق الأمم المتحدة واضعا أسس هذا السلام باحترام الحقوق وتأكيد العدالة وتحقيق المساواة في العلاقات بين الدول، هو التعبير العملي عن النظام الدولي لما بعد الحروب والساعي إلى السلام.

لكن الأطماع الدولية التي لم تغب عن القوى الاستعمارية الكبرى القديمة والتي أضيفت إليها أطماع الدول الكبرى الاستعمارية الجديدة، شكلت تحت مظلة الأمم المتحدة واقعاً جديداً لاستمرار الصراع القديم على النفوذ والهيمنة، بين الكبار والكبار من جهة، وبين الكبار والصغار من جهة أخرى، ولكن بوسائل جديدة..

إما بالسعي إلى السيطرة على القرارات الدولية لصالح القوة الأكبر في العالم عبر الضغط والابتزاز والتهديد، وإما بالخروج التدريجي عن المبادئ بإصدار القرارات التي تعكس ميزان القوى لصالح القوى الأكبر، وبازدواج المعايير أو الانتقائية في التعامل مع القضايا الإقليمية، والتواء التفسيرات لنصوص القرارات، أو بالعمل بتحالفات دولية لشن الحروب من خارج إطار الأمم المتحدة وضد ميثاقها مثلما حدث في غزو العراق مثلا.

تحت مظلة الأمم المتحدة انقسم العالم مرة أخرى بين معسكرين بلون أيديولوجي وجغرافي، واقتصادي في جوهره، المعسكر الشيوعي الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة، وشكلت أميركا وحلفاؤها في غرب أوروبا حلفا عسكريا بين ضفتي الأطلنطي لمواجهة الخطر الشيوعي على النظام الرأسمالي، مما استدعى قيام الاتحاد السوفييتي وحلفائه في شرق أوروبا بتأسيس حلف دفاعي لمواجهة الخطر الرأسمالي على النظام الشيوعي.

ودخل العالم في حرب عالمية كبرى جديدة تهدد الأمن والسلام في العالم، لكنها كانت حربا من نوع جديد هي الحرب الباردة، التي وقف مانعا أمام سخونتها أو انفجارها توازن القوى الاستراتيجي خاصة بالردع النووي، وأيضا غياب الفراغ الذي يسمح بتمدد طرف في فراغ الطرف الآخر، أو التفكير في إقدام طرف على شن هجوم على الطرف الآخر. لكن هذا التوازن الاستراتيجي يختل الآن من جديد لصالح الغرب على حساب الشرق، بما يهدد الأمن والسلام من جديد.. فمن يملأ الفراغ ويعيد التوازن؟!

mamdoh77t@hotmail.com