ما تم في قمة الناتو الأخيرة في بوخارست بشأن تأجيل عضوية جمهوريتي أوكرانيا وجورجيا في حلف شمال الأطلسي الناتو: لم يكن أكثر من مناورة ذكية موجهة للرأي العام الداخلي في روسيا الاتحادية أرادت الولايات المتحدة منها منح الروس عامة وقيادتهم خاصة شعور بالنصر ، وبأن روسيا الاتحادية قد تمكنت من تعطيل الخطة الأميركية بتوسيع حلف شمال الأطلسي جنوبا وضم جمهوريات سوفييتية سابقة إليه.
في واقع الأمر من السابق لأوانه الحديث عن انتصار روسي في هذا الشأن لأن ما جرى في القمة لم يكن إعلاناً صريحاً وواضحاً بأن دول حلف شمال الأطلسي ترفض بشكل قطعي قبول أوكرانيا وجورجيا ، بل حتى انها أجلت النظر بشأن عضويتهما ، ما يعني أن هذه مجرد جولة لم تبعد الحصان والفيل عن موقعيهما على الرقعة وستبقيان إلى حين الحاجة إليهما للإطباق على روسيا وتنفيذ خطوة «كش مات» التي تسعى لها الولايات المتحدة.
ما جرى في قمة الناتو يؤكد أن الولايات المتحدة تحرك أحجارها على الرقعة سعيا إلى نهاية تناسبها لهذه اللعبة. هذا ما يمكن استنتاجه من حديث لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حيث أكد فيه استمرار الخلاف بشأن منظومة الدرع الصاروخية. لكن الجديد في حديث لافروف تعامله مع هذه الخطة بأنها واقع لا مفر منه.
إذ أكد أن الجانب الأميركي قدم الكثير من الاقتراحات للحفاظ على الثقة المتبادلة وطمأنة روسيا بأن الدرع الصاروخية ليست موجهة ضدها، وعبر لافروف عن اهتمام بلاده بالاقتراح الأميركي الذي ينص على وجود مراقبين روس في قواعد الدرع الصاروخية الأميركية، دون أن يتجاهل أن الاقتراح الأميركي الرسمي يشير إلى إمكانية إرسال ضباط وخبراء روس في مهمات إلى سفارات روسيا في بولونيا والتشيك يقومون خلالها بزيارة للقواعد الأميركية. أي أن المراقبة لن تكون دائمة وفي كل ثانية مثلما ترغب روسيا.
على جميع الأحوال وبغض النظر عن المراقبين الروس وطبيعة عملهم ومدته في قواعد الدرع الصاروخية الأميركية فإن عدداً من الخبراء يرون في بحث روسيا لهذا الاقتراح الأميركي قبولا ضمنيا بخطة نشر الدرع الصاروخية في شرق أوربا ، ولا يمكن تسمية هذا بالإنجاز أو النصر أيضا بل هو تراجع على حساب الأمن القومي الروسي حسب رأي المتتبعين للعلاقات الروسية الأميركية.
الوزير لافروف أكد أن الجانب الأميركي لم يجب عن سؤال حول احتمال بناء قواعد أخرى للدرع الصاروخية في أوروبا، وذكر بانتشار قواعد هذه المنظومة في كاليفورنيا آلاسكا وفي أقصى الشرق بالقرب من الحدود الروسية. على الرغم من ذلك فهو لم يرفض فكرة المراقبين حتى لو عبر عن استغرابه للاقتراح الأميركي بالمراقبة المتبادلة، أي أن واشنطن ستوافق على عمل مراقبين روس في قواعد درعها الصاروخية مقابل موافقة روسية على عمل مراقبين أميركيين في قواعد الدرع الصاروخية التي تحمي روسيا.
إن مجرد وجود مراقبين من روسيا في القواعد الأميركية لن يحل المشكلة. ونصب منظومة الدرع الصاروخية في شرق أوروبا سيجعل عضوية جورجيا وأوكرانيا في الناتو مجرد تحصيل حاصل لأن واشنطن لن تقبل أن تتفاوض مع روسيا بهذا الشأن بعد أن تضمن نصب درعها الصاروخية في أوروبا، ومع أخذ غياب رد أميركي حول إمكانية إقدام واشنطن على نشر قواعد أخرى في أوروبا بالحسبان، فإن القبول بالدرع الصاروخية كأمر واقع، تحت أي ظرف، سيعني بدء الخطوات النهائية من الخطة الأميركية للإطباق على روسيا وكبح جماحها.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا قررت روسيا الصمت عن تهديدها بتوجيه صواريخها نحو القواعد الأميركية في أوروبا؟ ،ألم يحن الوقت بعد، لتخلص الدبلوماسية الروسية من عقدة يريدون جرها إلى المواجهة؟. الوضع اليوم واضح بكل بساطة أن الولايات المتحدة لا تريد جر روسيا إلى المواجهة، بل تريد جر المواجهة إلى الداخل الروسي بالقرب منها وفي محيطها.