روسيا بوتين تريد أن تمارس دوراً فاعلاً في حلبة الشرق الأوسط كنصير للشعب الفلسطيني، لكنها لا ترغب بحال من الأحوال أن تكون ملوكية أكثر من الملك.
بعد عقد زمن من الوهن والهوان عقب انهيار الاتحاد السوفييتي عند مطلع التسعينيات في عهد بوريس يلتسين، أخذت روسيا في عهد فلاديمير بوتين تستعيد عنفوانها السياسي والاقتصادي. وخلال وقت قياسي استطاعت فعلاً أن تستجمع لنفسها من أدوات القوة الاستراتيجية ما أتاح لها أن تفرض نفوذا جيوـ سياسيا في ساحة الصراع الدولي، لا يزال يتنامى وتتسع دائرته. ورغم أن أوروبا وآسيا الوسطى تستأثران بموقع الأولوية العليا على الأجندة الخارجية الروسية.
إلا أن من الواضح أن بوتين يعتزم إعادة العلاقة التحالفية مع الدول العربية التي كانت سائدة إبان عهد الاتحاد السوفييتي، فهل العرب على استعداد للتجاوب؟
إدارة بوتين أعلنت مؤخراً عزمها ترتيب عقد مؤتمر دولي في موسكو تشارك فيه كافة الأطراف المعنية بمشكلة الشرق الأوسط. ولا يخفى أن روسيا تريد من وراد هذا التحرك الجديد أن تتيح للفلسطينيين والعرب منبراً دولياً متحررا من السيطرة الأميركية الانحيازية، ولكن إذا كان من المفهوم أن تسعى كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى إجهاض عقد هذا المؤتمر الدولي، فكيف نفهم أن يحظى هذا السعي التخريبي بتعضيد فلسطيني؟
لقد قام رئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية التي تقول إنها الممثل الشرعي والأوحد للشعب الفلسطيني بزيارة رسمية إلى روسيا لا لغرض سوى أن يحيط السلطة العليا الروسية علماً بأنه سوف يقاطع المؤتمر، إذا وجهت دعوة إلى حركة حماس واضعاً بذلك القيادة الروسية أمام أمر واقع يتمثل في شرط تعجيزي، وحتى الآن لم تعلن الولايات المتحدة ولا إسرائيل موقفاً رسمياً نهائياً تجاه المؤتمر المزمع، وبينما يبدو أنهما مصممتان على نسف المؤتمر مقدماً إلا أنهما لا تريدان أن تقعا في حرج دبلوماسي مع روسيا، من المؤكد أن ينشأ لو صدر عن كل منهما رفض رسمي ومباشر لعقد المؤتمر الدولي، مما قد يدفع القيادة الروسية إلى مغادرة عضوية اللجنة الرباعية الدولية، ويبدو واضحاً إذن أن أميركا وإسرائيل أوكلتا مهمة إجهاض المؤتمر إلى الرئيس أبو مازن.
روسيا بوتين لن تتوقف في كل الأحوال عن مواصلة نهجها الاستراتيجي الراديكالي تجاه منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق ستواصل دورها كمصدر تسليح حديث لسوريا، وإمدادات عسكرية لحزب الله اللبناني عن طريق دمشق، ومساعدة البرنامج النووي الإيراني، لكنها للأسف لن تستطيع تحقيق اختراق هام على المدى المنظور في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالح الشعب الفلسطيني، طالما بقيت قيادة السلطة الفلسطينية على موقفها. وامتداداً لهذا التحليل فإنه من المشكوك فيه أن تتجاوب غالبية الدول العربية مع موسكو.