نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» منذ يومين تقريراً قالت فيه إن دول الخليج تستعجل إقامة مجمعات ترفيهية واستوديوهات سينمائية على مستوى عالمي. وذكر التقرير أن العديد من المجمعات الترفيهية في الولايات المتحدة تستعد لافتتاح أفرع لها في دول الخليج الإسلامية المحافظة.
وقال التقرير إن بعض المراقبين يصفون المستثمرين ومشغلي المجمعات الترفيهية والاستوديوهات في الشرق الأوسط بأنهم مولعون بالثقافة الأميركية. وأشار التقرير إلى أن تلك المجمعات تعتبر بالنسبة لبعض دول الخليج بمثابة حماية اقتصادية في مواجهة تناقص المخزون النفطي. ونقل التقرير عن أستاذ التجارة الدولية في جامعة «تافتس» قوله إن هذه المشاريع ومموليها قد يواجهون مشكلة في توفر عدد كاف من المرتادين.
تقرير ال«واشطن بوست» يطرح تساؤلات في غاية الأهمية لا تغيب عن المثقفين الخليجيين، وهذه التساؤلات تتعدى عدد زوار تلك المشاريع إلى مسألة الولع بالثقافة الأجنبية بشكل عام ـ ليس كإرث ثقافي يتجسد في متاحف أو مشاريع ترفيهية فحسب ـ بل إلى كوادر أجنبية أصبحت هي التي تدير مؤسسات وطنية ثقافية، الأمر الذي يؤكد الولع بالثقافة الأجنبية من الرأس وحتى أخمص القدمين.
المثقفون يوقنون أن تلك المشاريع التي يعلن عنها وفق مستويات عالمية تركز اهتمامها على الزوار والسائحين، وهو الأمر الذي لا نعيبه ولا نقلل من شأنه، لاسيما إن كانت إحدى واجهات الدول الخليجية ستصبح ثقافية بدل اعتمادها على الجوانب العقارية والاقتصادية والاستثمارية فقط، ولكن أن يصل الأمر لأن نجد في مؤسساتنا وهيئاتنا الثقافية الخليجية مديرين للثقافة أجانب، وآخرين يضعون إستراتيجيتها ويطورون الأعمال فيها، فذلك هو التساؤل الأكبر الذي لا إجابة عليه ولا تفسير منطقيا له.
عندما نقرأ أخباراً عن تعيين مسؤولين أجانب في أعلى المناصب الإدارية والاستراتيجية في تلك المؤسسات الوطنية نشعر بغصة كبيرة في الحلق، لاسيما عندما يصبح المواطنون الخليجيون في تلك المؤسسات والهيئات ليسوا أكثر من أعضاء أو موظفين تنفيذيين للخبرات الأجنبية التي لا يفهم غالبيتها ثقافتنا الخليجية واعتباراتها التي قد تتعارض مع كثير من المفاهيم الثقافية للدول التي أتى منها هؤلاء المديرون الأجانب.
إن تلك التعيينات تصور للآخرين في العالم أن دولنا خالية من المثقفين أو الكفاءات المحلية والعربية التي تستطيع إدارة ورسم استراتيجيات خاصة بالثقافة من شأنها تعزيز مكانة بلادنا في مجال الثقافة والفنون. لسنا ضد الاستفادة من خبرات الدول الأجنبية في هذا المجال لاسيما المتقدمة منها، لكنّ الاستفادة من تلك الخبرات ممكنة من خلال تطعيم تلك المؤسسات بمستشارين وأعضاء مجالس إدارة، وليس وضعهم على رأس المشروع الثقافي.
إن أموراً كهذه تبقى مبعث انزعاج فئة كبيرة من المثقفين الذين يجدون أنفسهم وقد تم إقصاؤهم من إدارة مشاريع ثقافية بهذا الحجم. قد يقول البعض إن مثقفينا يفتقدون لمفاهيم الإدارة حتى لو ملكوا ناصية الثقافة. ونقول بدورنا: ما هو عدد الدورات والبعثات والمتابعات التي سعت بلادنا من خلالها لتأهيلهم لإدارة تلك المشاريع؟
إن ما يحدث في قطاع الثقافة اليوم يذكرنا ببداية الطفرة العقارية التي لم يستفد منها المواطنون بالقدر الذي استفاده منها أولئك الأجانب الذين يسيطرون على هذا القطاع منذ البداية وحتى يومنا هذا، فهل أتى الدور الآن على الثقافة؟
