لم تأت زيارة الرئيس الأميركي الديمقراطي السابق جيمي كارتر إلى المنطقة بدءاً من يوم 17 /4 /2008، ولقاءاته مع قيادات حركة حماس في كل من القاهرة ودمشق من فراغ أو دون مقدمات، فقد جاءت زيارة الرئيس كارتر ولقاءاته تحمل معها أكثر من دلالة وأكثر من مؤشر سياسي، بعد سلسلة من التحولات التي تلاحقت خلال الفترات الماضية على جبهة الصراع الفلسطيني/الإسرائيلي، والتي فرضت نفسها تلقائياً مع رسوخ مكانة حركة حماس في النسيج المجتمعي والمعادلة الفلسطينية، وتعاظم تأثيرها في المسار السياسي بعد سنوات من محاولة شطبها وإزاحتها خارج دائرة الفعل والتأثير. فرئيس المكتب السياسي لحركة حماس حمل أيضاً في لقائه مع الرئيس كارتر في دمشق تفويضاً من جميع القوى والفصائل الفلسطينية للتحدث باسمها.
فقد استطاعت حركة حماس خلال الأشهر الثلاثة الماضية تحقيق نقلتين نوعيتين في حدثين متتاليين في سياق حضورها وتأثيرها في ساحة الفعل الفلسطينية، وفي ساحة العمل السياسي بعد أشهر من ما جرى في قطاع غزة منتصف يونيو 2007، كان أولهما قيام أنصارها باختراق الحدود وتحطيم الحصار، وكان ثانيهما صمودها المتين إلى جانب قوى المقاومة في وجه الحملات العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على معاقلها في قطاع غزة.
وفي النقلتين الحدثين، بدت حركة حماس القوة الأكثر تأثيراً في الشارع الفلسطيني في الداخل والشتات، وفي المعادلة الفلسطينية الداخلية أمام القطب الأخر المشكل من الإطار الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية ومعها بعض القوى الفلسطينية المحدودة الفعالية والتي تدور في فلكها.
وعليه، فإن زيارة الرئيس جيمي كارتر، صاحب جائزة نوبل للسلام، وبطل اتفاقية كامب ديفيد بين مصر السادات وإسرائيل مناحيم بيغن قبل ثلاثة عقود من الزمن، ولقاءاته مع قيادات حركة حماس، أبعد من زيارة ولقاءات استكشاف للمواقف أو لجس النبض، بل جاءت تحمل معها الجديد بالنسبة للرؤية الأميركية من خارج المؤسسة الرسمية، وهي رؤية بدأت تشق طريقها منذ فترة لا بأس بها عبر ضباب كثيف أحاط بمواقف واشنطن الرسمية تجاه حركة حماس، وانطلاقاً من المعطيات القائمة على الأرض.
خصوصاً وأن بعض المواقف التي تنبأت بإمكانية نجاح واشنطن في تشكيلها الائتلاف الدولي المناهض لحركة حماس، لم تصمد، ولم تنجح معها الأفعال والأعمال الإسرائيلية بالضغط على الأرض لإخراج حماس خارج دائرة الفعل بعد دفعها لتسديد فاتورة باهظة، أقلها فاتورة إنهاكها من خلال مواصلة الاغتيالات واستهداف الكوادر والنشطاء من مختلف القوى الفلسطينية، ووضعها أمام تساؤلات الشارع الفلسطيني الذي جاء بها إلى مواقع المجلس التشريعي.
وعلى أرضية فشل الرهان الأميركي الإسرائيلي لعزل حركة حماس بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت يوم 25/1/2006 وبنتائجها المعروفة، ومع تصاعد حضور حركة حماس.
جاء التعاطي الروسي معها ليقص الشريط أمام إمكانية دخول حركة حماس النادي السياسي الدولي في مواجهة الحصار الأميركي، عبر زيارات رسمية تمت لوفود من حركة حماس إلى قصر الكرملين، فاستدارت موسكو من «محجة» لأقطاب اليسار والبلشفيك العرب، ومن «منتجع على البحر الأسود» مريح لقيادات الأحزاب اليسارية خصوصاً الفلسطينية منها، إلى إدارة استقبال لقوى من طبيعة أيديولوجية مغايرة، صاعدة في سلم الحضور الشعبي، بعد أن بدأت العاصمة الروسية تشعر بوهج المصالح بعد زمن ناءت به من وطأة الحمل الثقيل عندما وضعت تحت رعايتها أحزاب البلشفيك العربية أيام الاتحاد السوفييتي الغابرة.
وعليه، كان ولوج خالد مشعل وقيادة حركة حماس إلى الساحة الحمراء وقصر الكرملين أولى البدايات التي أفضت لدخول حماس النادي الدولي، وليشير الموقف الروسي ذاته وفي جانب منه إلى التذكير بأن وقائع الحياة السياسية ومصالح المنظومات الدولية المختلفة، تستوعب بالضرورة كل المتغيرات.
لقاءات كارتر مع قيادات حركة حماس في القاهرة ودمشق تعبر عن تحول بدأ يشق طريقه ولو خافتاً وخجولاً داخل الولايات المتحدة بشأن ضرورة التعاطي مع حركة حماس، والكف عن محاولات إقصائها وعزلها. وانطلاقاً من المعطى إياه لا يستبعد العديد من المراقبين قدوم اللحظة التي سنرى فيها اشتعال الحوار بين حركة حماس وواشنطن مباشرة ودون قنوات سرية في هذه العاصمة أو تلك، فلقاءات كارتر تمثل خطوة الألف ميل في هذا الاتجاه.
وحدثت بالتوازي وبالتأثير، بعض التفعيلات الدولية التي تؤشر لتطور مكانة حركة حماس، حيث صدر تقرير للجنة برلمانية بريطانية مشتركة بين كل الأحزاب بضرورة إنهاء مقاطعة حركة «حماس» باعتبار المقاطعة سياسة أثبتت فشلها، وتبع ذلك التقرير اللقاء المطول الأخير منتصف مارس 2008 بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في دمشق مع السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس جهة أخرى، وصدر بعد ذلك تقرير أخير عن «مجموعة الأزمات الدولية» الصادر يوم 19/3/2008 يقر بأن سياسة إسرائيل القائمة على «عزل حماس وفرض العقوبات على غزة قد أفلست وأعطت عكس نتائجها المرجوة».
وتلي التقرير إياه مبادرة لـ «مجلس الشيوخ» وهو هيئة دولية تتشكل من زعماء ودبلوماسيين قدامى في العالم، حيث توجه المجلس لإسرائيل باقتراح قدمه أربعة من أعضائه الكبار هم : الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الأسقف ديزموند توتو، ورئيسة ايرلندا السابقة ميري روبنسون، وذلك «لحث وقف إطلاق نار مع حماس عبر حوار إسرائيلي مباشر معها والاعتراف بدورها».
كاتب فلسطيني ـ دمشق