تكشف الأجواء السياسية والتصريحات عن إمكانية احتدام الصراع السياسي بين تحالف البرتقاليين الحاكم في أوكرانيا على أعتاب انتخابات الرئاسة، فقد أعلن رئيس كتلة «يوليا تيموشينكو» النيابية داخل البرلمان الموالية لرئيسة الحكومة أن الرئيس فيكتور يوشينكو يخطط لحل البرلمان ومركزة السلطات في يده من خلال تعديل الدستور، وهدد إيفان كيريلينكو زعيم جناح البرتقاليين الموالي لرئيسة الحكومة يوليا تيموشينكا في البرلمان، بالانسحاب من الائتلاف الحاكم في حال تنفيذ هذه الخطة، وقد سارع قادة الحزب الشيوعي وحزب المناطق للتأكيد على وجود هذه الخطة، والتضامن مع جناح البرتقاليين الموالي للسيدة تيموشينكا.

وتعتبر رئيسة الحكومة الأوكرانية المرأة الحديدية تيموشينكا الشخصية الثانية ضمن قادة الثورة البرتقالية، وبالرغم من الخلافات القائمة بينها وبين زعيم هذه الثورة الرئيس يوشينكو، إلا أنها مازالت تدعمه سياسيا ضد حزب المناطق الذي يترأسه حليف موسكو فيكتور يانكوفيتش، ومع ذلك تستمر المواجهات بينهما التي بدأت منذ عام 1999 عندما أصبح يوشينكو رئيسا للوزراء وعين تيموشينكا نائبة له تتولى مسؤولية ملف تزويد أوكرانيا بالغاز والنفط.

وسرعان ما تبين أن تيموشينكا لا تعتزم أن تطيع تعليمات رئيسها. ولا يزال يوشينكو، وهو رئيس الجمهورية الآن، يخاف من «الأميرة الغازية» تيموشينكا.

ويدور الصراع اليوم حول صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. حيث تطالب رئيسة الحكومة بأن تصبح أوكرانيا جمهورية برلمانية ينتقل فيها موقع صناعة القرار من الرئاسة إلى الحكومة والبرلمان. بينما يعد الرئيس يوشينكو مشروع قانون يوسع صلاحيات الرئيس على حساب صلاحيات الحكومة، وقد انسحب النواب أنصار رئيسة الوزراء تيموشينكا من جلسة البرلمان التي عرض فيها المشروع المقترح من قبل الرئيس، وهددوا بالانسحاب من الائتلاف الحاكم «البرتقالي» وهو ما سيضر بنفوذ التحالف البرتقالي السياسي وسيطرته على السلطة.

وتستهدف مساعي الرئيس يوشينكو الإعداد لانتخابات الرئاسة عام2009، عبر توسيع نفوذه السياسي، وتحجيم نفوذ رئيسة الحكومة التي أعلنت أنها تنوي خوض انتخابات الرئاسة ضد حليفها، إن الاختيارات التي قدمتها تيموشينكا للرئيس فيما يخص انتخابات الرئاسة محدودة للغاية، فقد أعربت عن استعدادها لتأييد ترشيح الرئيس الحالي فيكتور يوشينكو في انتخابات الرئاسة عام 2009 فيما لو ظلا ضمن فريق واحد يمثل القوى الديمقراطية.

وطبقا لمعطيات استطلاعات الرأي تتمتع تيموشينكا اليوم بأكبر فرص لكي تصبح رئيسة جديدة لأوكرانيا، ويتخلف عنها بقليل زعيم حزب المناطق فيكتور يانوكوفيتش الذي خسر الانتخابات الرئاسية عام 2004. ويأتي بعدهما وبفارق كبير الرئيس الحالي يوشينكو.

وقد أجبرت هذه التطورات التي تهدد سلطة البرتقاليين السفير الأميركي ويليام تيلور على التحرك بسرعة، والتوجه للبرلمان لإجراء مفاوضات بين أنصار يوشينكو وتيموشينكا، ولم تحقق محاولات الأميركيين نجاحات تذكر باستثناء إقناع رئيس البرلمان بعدم طرح مشروع القانون للتصويت مؤقتا.

وقد اعتبر فيكتور يانكوفيتش زعيم حزب المناطق المعارض أن أوكرانيا على حافة انهيار نظام الحكم، ولفت الأنظار نحو الاتهامات المتبادلة بين الرئيس يوشينكو ورئيسة الحكومة تيموشينكا، ويرى زعيم المعارضة الأوكرانية أن «أزمة السلطة» يمكن أن تؤدي إلى انتخابات مبكرة.

المثير للدهشة أن اعتقادا يسود في الأوساط الأميركية يفيد بأن حقول النفط والغاز في القسم الأوكراني من البحر الأسود، ستمكن أوكرانيا من تحقيق الاستقلال الاقتصادي عن روسيا، وأنها تكفى لتغطية احتياجات البلاد. وذلك فوق تقديرات خبراء شركة «فانكو انترناشنال» الأميركية التي تتولى التنقيب عن المواد الهيدروكربونية في القسم الأوكراني من البحر الأسود، حيث يعتقد هؤلاء الخبراء أن هذه المنطقة تحتوي على 53,1 مليار طن بترول مكافئ.

ويعبر الخبير نيقولاي بتروف من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي- فرع موسكو عن شكوكه في إمكانية أن تصدق توقعات الخبراء الأميركيين، ويعتبر أنه لا أمل في أن تتمكن أوكرانيا من تكوين اكتفاء ذاتي في النفط والغاز، مستندا إلى الأرقام الرسمية التي كشفت أن أوكرانيا التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة في روسيا، قد استهلكت 16 مليون طن من النفط و65 مليار متر مكعب من الغاز في العام الماضي.

وتكمن أهمية هذه التصريحات في أنها تحاول إقناع البرتقاليين بعدم تعميق خلافاتهم، في انتظار تحقيق الهدف الأساسي وهو الاستقلال عن روسيا والانضمام لحلف الناتو، إلا أن محاولات الغرب لإقناع البرتقاليين بالحفاظ على تحالفهما يبدو أنها لن تكلل بالنجاح لأسباب كثيرة أهمها:

1- أن الطرفين (يوشينكو وتيموشينكا) يرفضان فكرة تقاسم السلطة، ويسعى كل طرف لإزاحة الآخر.

2- انعدام الثقة بين الجانبين بعد أن تخلى الرئيس عن حليفته تيموشينكا قبل انتخابات البرلمان الأخيرة وتعيين يانكوفيتش رئيسا للحكومة.

3- التزاوج العضوي في المصالح الاقتصادية بين أوكرانيا وروسيا، والذي يصعب فضه. ما يهدد بانقسام البلاد إلى إقليم شرقي مرتبط مع روسيا وإقليم غربي تابع إلى بولندا.

4- تنامي نفوذ المعارضة وحزب المناطق بسب تفاقم الأزمات الاقتصادية الناجم عن سياسات وصراعات البرتقاليين.

المشكلة الحقيقية التي تعطل إيجاد مخرج فاعل من هذه الأزمة عدم وجود بديل يستقطب اهتمام المجتمع الأوكراني، باعتبار أن حزب المناطق لا يمثل النقيض للبرتقاليين، ومواقفه الخاصة بتوسع حلف الناتو والتحالف مع الغرب مؤقتة بسبب تحالفه مع روسيا في هذا الصراع الذي تديره الولايات المتحدة ضاربة بعرض الحائط بمصالح الشعب الأوكراني.

وتكمن عناصر قوة حزب المناطق في نفوذه الاقتصادي، وتحالفه الحالي مع روسيا، باعتبار أنه يسيطر على شرق البلاد التي تشكل مشاركتها في الناتج الإجمالي أكثر من 70%، وتعتبر مركز أغلبية المنشآت الصناعية التي تشكل أساس الاقتصاد الأوكراني.

ويبدو واضحا أن الأيام القادمة لا تحمل الاستقرار لأوكرانيا، لأن مختلف أطراف السلطة الحاكمة تسعى لتحسين نفوذها ومواقعها في السلطة باستخدام كافة الأدوات والإمكانات المتاحة، عبر إفشال خطط الأطراف الأخرى في تحسين الظروف الاقتصادية التي تشهدها البلاد، بل وتلجأ للاعتماد والتنسيق مع أطراف الصراع الدولي في مواجهة بقية أطراف السلطة في أوكرانيا.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني