تبدأ اليوم في دبي فعاليات الدورة السابعة لمنتدى الإعلام العربي الذي ينظمه سنوياً نادي دبي للصحافة. يناقش المنتدى هذا العام موضوع «التكنولوجيا وتكامل الإعلام العربي». إنها فكرة رائدة ومشروع مهم فتوفير منبر مهم للإعلاميين العرب لمناقشة قضايا الإعلام العربي هي خطوة أخرى مهمة تحسب لدبي التي أتاحت وتتيح فرصاً مهمة للحوار والنقاش في منطقة حرمت طويلاً من مثل هذه الفعاليات الجادة والمهمة.
لكن إشكالية الأداء الإعلامي في العالم العربي ليست تقنية وليست بالضرورة في الرقابة ضد المحتوى. إنها ـ بكل صراحة ـ في ندرة الإعلاميين العرب الذين يدركون فعلاً حجم مسئولية الإعلام ودوره وأهميته في البناء وتأسيس الوعي السياسي والتنموي في مجتمعاتهم. الإعلام ليس وسيلة للشهرة أو لمزيد من التكسب وخدمة المصالح الشخصية عن طريق المبالغة في مديح المنجز أو تضليل صانع القرار بالمعلومة الناقصة أو الرأي المجامل.
فالعمل الإعلامي في الأصل يقوم على مفهوم المراقبة والنقد والبحث عن مواطن القصور ولكن بشروط مهنية تلتزم بالبحث ودقة المعلومة وتعدد وجهات النظر. وتلك مسئولية مهمة تخدم المجتمع كله بأفراده ونظامه السياسي.
أما الخطاب الإعلامي المهادن والمنافق والمبالغ في وصفه لأي إنجاز فإنما يسييء للجميع بما في ذلك المؤسسة السياسية نفسها ،نحن هنا نتعامل مع مبدأ أساسي من مبادئ العمل الإعلامي وإن لم نعد لمناقشة هذا المبدأ الضائع في كثير من الأعمال الصحافية العربية فإننا سنبقى نلف وندور خارج دائرة المشكلة الحقيقية وفي الزمن الضائع.
الزمن الضائع؟ نعم إننا أمام متغيرات تقنية ضخمة بدأت تؤسس لأشكال جديدة من الأداء الإعلامي تجاوزت أدوات الإعلام التقليدية والشواهد أمامنا كثيرة. خذ على سبيل المثال ظاهرة المدونات التي أصبحت فعلا مؤثرة وهي تتنامى يوميا وتستقطب أصواتا شابة وفاعلة لا تنتمي ولا تتأثر أصلا بخطاباتنا التقليدية.
هذه الأصوات الجديدة تنتمي لثقافة عالمية جديدة يصبح الرابط فيها بين مدون من القاهرة وآخر من المكسيك مماثل أو أقوى للرابط بين مدون في القاهرة وآخر في الرياض. ومدونو اليوم، على الرغم من قلتهم في العالم العربي، يستطيعون تحريك الشارع وتنظيم مظاهرات ضد غلاء الأسعار وجذب اهتمام العالم كله لقضايا مجتمعاتهم المحلية. وشواهد التغيير في المنظومة الإعلامية في العالم العربي وغيره واضحة لأي مراقب. خذ على سبيل المثال ما تمنحه تقنيات الإعلام اليوم من بدائل كثيرة حتى في دائرة الإعلام التقليدي نفسه.
لم يعد ممكنا أبدا احتكار الآراء أو قنوات التعبير في الوطن العربي لأن القادم من خارج حدود العالم العربي ـ برديئه وجيده ـ يمنح الآن فرصاً أكبر للتعبير والنقد ومناقشة قضايا الداخل والخارج وعلى الهواء مباشرة! إذن نحن أمام خيارين اليوم: إما أن نطور رؤيتنا الإعلامية وأداءنا الإعلامي كي نمنح فرصة حقيقية لمناقشة قضايانا المحلية أو نترك للإعلام الآخر (أيا كانت توجهاته وغاياته) أن يتيح فرصاً كثيرة لمناقشة إشكالاتنا وهمومنا.
لم يعد بالإمكان عزل الداخل عما يحدث بالخارج ولن نصنع إعلامنا حقيقياً بمجرد شراء أحدث تقنيات الإعلام إذ من دون معرفة حقيقية وإيمان عميق بدور الإعلام ومسئوليته في النقد، كعين للمجتمع على ما يحدث، فسنبقى في فلك ثقافة «شاعر القبيلة» القائمة على المديح المفرط أو الهجاء الجارح.
هذه المطالبة بصناعة إعلام جاد ومدرك لمسئوليته ليست دعوة لهدم القائم أو مواجهة ضد المؤسسات السياسية بل العكس هو الصحيح.
إن وجود صحافة حرة ومستقلة هي في نهاية النهار ضمان استقرار وصمام أمان للمؤسسة السياسية العليا والمجتمع وإلا تزايدت أزمات المجتمع وربما تمادت بعض الأجهزة التنفيذية في مخالفاتها وفي الأخير الخسارة تصيب الجميع.
والسؤال الذي أتمنى من كل زميل في الإعلام العربي أن يسأله : ما ذا قدم الإعلام العربي حتى اليوم للمجتمع العربي؟ نحن لا نتوقع ولا نطمح أن يسهم الإعلام العربي في عزل وزير أو إقالة رئيس شركة (على الأقل حالياً) ولكننا نأمل في تأسيس مدرسة صحافية جديدة تؤسس لثقافة إعلامية مهنية تدرك حاجة المجتمع العربي اليوم لصحافة ناقدة تكون فعلاً عيناً للمجتمع وممثليه على مواطن القصور والخلل، صحافة تثبت للمواطن العربي أنها قادرة على الكشف عن معاناته والكتابة المحايدة عن طموحاته وآماله وحقوقه.
وإن لم نفعل فسيترك الحبل على الغارب وتستمر هذه الفوضى «الفضائية» تقود إلى مزيد من الفوضى ونظل بالتالي نناقش قضايا الإعلام العربي خارج المنطقة الصح وفي الوقت الضائع.
ولهذا أعتقد أن مثل هذه المنتديات والفعاليات التي تبحث في شأن الإعلام العربي وواقعه ومستقبله معنية جداً بالبحث في آليات تطوير «المفهوم الصحافي» الأساسي وفي مناقشة المبادئ الأساسية للعمل الصحافي تلك التي ضلت طريقها في ظل الهوس بالربح المادي لكثير من مؤسسات الإعلام العربي أو بسبب هيمنة خطاب إعلامي تقليدي قائم على المبالغة والمديح على حساب التنمية الحقيقية وعلى حساب المسئولية المهنية والأخلاقية للإعلام.
أحد الرؤساء الأميركيين، جيفرسون، قال يوما، بعد أن هاجمته الصحافة طويلاً، :« لو خيرت بين حكومة دون صحف أو صحف دون حكومة لما ترددت في اختيار الثاني». لكن جيفرسون كان يعني صحافة تمارس عملاً صحافياً مختلفاً غير الذي عندنا، صحافة أقلقته وسهّرته طويلاً!
كاتب ومستشار إعلامي