تعتبر الأنظمة الحاكمة في الخليج العربي وكما يقول الباحث والأستاذ الجامعي الأميركي كريكوري كوز، من أكثر الأنظمة العربية قدرة على البقاء والتكيف مع المتغيرات السياسية الإقليمية والدولية، ففي الوقت الذي جاءت موجة الحركات الثورية العربية والانقلابات العسكرية مطيحة بالأنظمة العربية في مشرقه ومغربه بدت الأنظمة السياسية الخليجية ذات قدرة أكبر على الصمود والتكيف مع مرحلة صراع الإيديولوجيات وصراع الاشتراكية والرأسمالية وهي المسألة التي لم تسلم منها الأنظمة العربية الأخرى والتي بدت بعد انجلاء هذه المرحلة أكثر انكشافاً وأكثر وهناً وأقل قابلية على التحول.

في المقابل بدت الدول الخليجية الصغيرة والتي اعتبرت في مراحل سياسية سابقة بالهامشية ذات قابلية واستعداد حذر بالقبول بالتغير ومرونة أكبر بالاندماج في المنظومة الاقتصادية الدولية. إلا أن ذلك لم يأتي بتحول على طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة وإن أحدث فيها في السنوات الأخيرة قدراً من التحديث السياسي تفاوتت درجته ومداه من مجتمع خليجي لآخر.

وإذا كانت الحركات اليسارية والقومية قد شكلت قدراً من القلق وليس التهديد لأنظمة الخليج في سنوات رواجها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، إلا أنها لم ترق لأن تشكل تهديداً مطيحاً في أي من السنوات التي مرت بها المنطقة وتحديداً في الكويت والبحرين ذات الحضور الأكبر لهذه القوى. إلا أن السنوات القليلة الماضية قد جاءت بالقوى الدينية والقبلية بديلاً مؤثراً ولربما في بعض الحالات مناكفاً ومهدداً لسياسات هذه الدول.

وقد كانت هذه القوى في بادي أمرها قوى مساندة وعضيدة لبعض الأنظمة في الخليج إلا أنها سرعان ما انقلبت عليها في سنواتها التالية. ويقدم النموذج الكويتي ولربما السعودي نموذجاً لتمرد بعض من القوى الإسلاموية والقبلية على الدولة: التي احتضنتها ووظفتها في صراعها مع القوى المدنية من تجارية وقومية ولربما في صراعها مع التضامنيات الأخرى الدينية والمذهبية. وقد دخل في هذا التوظيف القوى الإسلاموية وتحديداً جماعات الأخوان المسلمون والجماعات السلفية المختلفة التي حاولت أن توظف القبيلة في تحقيق مكاسب سياسية في صراعها مع بعضها البعض وكذا في صراعها مع الدولة والقوى السياسية الأخرى.

وإذا ما كانت القوى الإسلاموية أسبق في خروجها عن عصا الطاعة الرسمية، فإن الأحداث الأخيرة في الكويت قد أثبتت ان القوى القبلية لا تزال تمثل مركزاً لثقل سياسي جديد ولربما القدرة على عصيان الدولة. هذه الدولة التي أجزلت لها العطايا ولرموزها المزايا، إلا أن شعورها بالقوة ورغبتها في أن لا يقل نصيبها بل وأن يكون مؤثراً ومكثراً من المنافع والمكاسب يضعها في الموقف الرافض لمحاولات التضييق التي قد تخضع لها ولمشاريع تحجيمها.

فالحقيقة أن القبيلة كتنظيم اجتماعي لم تعد قائمة كمضارب تأخذ بعداً مكانياً واقتصادياً معيناً، إلا أنها برزت ونتيجة للحاجة السياسية لها كقوة اجتماعية قادرة على معاضدة الدولة أو الخروج عليها. وهي في كل ذلك تحسب كما التضامنيات الأخرى في مواقفها حساب المكاسب والمنافع أكثر منه حساب الانتماء والمواطنة، بل إن ولاءاتها كما هي تضامنية الطوائف والأعراق عبر قطرية. ويتم احتساب وتوزيع المكاسب والمنافع داخل الأطر القبلية وفق هرمية القوة داخل القبيلة أكثر منها وفق صلة الدم والانتماء القبلي.

وهي في ولاءاتها يبدو أحياناً عبر قطرية بل وقد تنزع نحو تشكيل مؤسساتها المدنية عبر القطرية الممثلة لها في أرجاء المنطقة العربية، من ليبيا وتونس غرباً مروراً بالسودان جنوباً ومن ثم سوريا والأردن والجزيرة العربية شرقاً وجنوباً. والقبيلة كما الطائفة قد تمثل في مرحلة من المراحل عوناً للدولة غير مُكتملة التشكُل في صراعها مع القوى والتضامنيات الأخرى إلا أن التوظيف السياسي لها كما هو توظيف معادلة صراع التضامنيات يمثل حلاً مؤقتاً لمسألة الشرعية الحديثة ومجتمع المواطنة، بل إن التمادي في توظيفها قد يعقد بل ويعرقل من مسألة تحديث الدولة واكتمال قيام مؤسساتها والتأسيس لدولة القانون وسلطاتها المستقلة.

ويقدم النموذج اليمني الشمالي الإشكاليات السياسية المتعددة والمعقدة المترتبة للتوظيف السياسي للتضامنيات القبلية على حساب تأسيس الدولة الحديثة، هذا التوظيف الذي باتت تمثل القبيلة في ظله أحد أهم معوقات تشكل الدولة الحديثة.

وخلاصة القول هو إن تحدي تأسيس الدولة الحديثة ذات الحقوق المدنية المعينة دستورياً والمعمول بها على أرض الواقع، أحد المهمات غير المكتملة في تأسيس الدولة الحديثة والمدخل الأكثر عقلانية للخروج من معضل مجتمع التضامنيات القائم على القبلية والانتماءات المذهبية.

كاتب بحريني