في الذكرى الخامسة لسقوط بغداد، تذكرت ذلك المؤتمر الصحافي الذي عقده أحد كبار جنرالات الجيش الأميركي بعد شهور قليلة من الغزو. فبعد أن سأله أحد الصحافيين عن عدد القتلى والجرحى من الجنود الأميركيين وأجاب الرجل بالتفصيل استطرد الصحافي يسأل عن عدد الضحايا العراقيين فقال الجنرال الأميركي نحن لا نحصي عددهم!
لم يفاجئنا الرد رغم صفاقته، فمن تابع إدارة بوش منذ يومها الأول ويعرف الأصول الفكرية والفلسفية التي انطلقت منها كان يعلم أن آخر ما سوف تهتم به هو العراقيين أنفسهم، لكن ما أثار انتباهي حقاً كان أن ما قاله الجنرال لم يثر أية مشكلة لدى جهات كان يفترض أن تقيم الدنيا وتقعدها، كنت وقتها في الولايات المتحدة فرحت أتابع الإعلام المرئي والمسموع فضلاً عن الصحف والمجلات المختلفة بحثاً عن أي رد فعل يدين ما قاله الرجل أو حتى يعلق عليه فلم أجد للموضوع أي صدى على الإطلاق، وكأن الطبيعي أن يتم التعامل مع العراقيين وكأنهم أقل درجة من البشر لا يستحقون حتى أن يعرف العالم عدد ضحاياهم، وكأنه من الطبيعي أيضاً أن تتخلى دولة الاحتلال عن مسؤولياتها التي يفرضها عليها القانون الدولي.
ورد الفعل هذا كان أحد تجليات حالة الغيبوبة التي أصابت الإعلام الأميركي بل والكونجرس بعد 11 سبتمبر. فالإعلام الأميركي الذي كان مسؤولاً عن دفع نيكسون للاستقالة لم يكن هو نفسه الإعلام الذي لم يسأل إدارة بوش الأسئلة التي كان ينبغي أن تسأل قبل غزو العراق، فهو قبل بالرواية الرسمية ولم يخضعها للفحص، وهو ما افتضح أمره لاحقاً وجسدته بشكل صارخ افتتاحية النيويورك تايمز التي اعتذرت عن ذلك الأداء البائس بعد سنوات من وقوع الكارثة واحتلال العراق.
أما المؤسسة التشريعية الأميركية فقد تخلت بوضوح عن مسؤولياتها الرقابية ومنحت بوش شيكاً على بياض في قضايا الداخل والخارج على السواء، الأمر الذي سمح بتمرير عشرات القوانين والقرارات المذهلة في مدى ما شكلته من توسع في صلاحيات المؤسسة التنفيذية على حساب المؤسستين التشريعية والقضائية، وما مثلته من سياسات كلفت الولايات المتحدة الأميركية ثمناً باهظاً في الداخل والخارج.
وقد ساعد ذلك على تمادى إدارة بوش في صلفها. فالروح التي جسدها موقف الجنرال من الضحايا العراقيين صارت جزءاً من نمط اتسم به أداء إدارة بوش وشمل الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء.
فالإدارة اعتبرت نفسها فوق القانون الدولي والأميركي وتصرفت وكأنها فوق المحاسبة، بل تعاملت بشراسة واضحة مع أية انتقادات خارجية كانت أو داخلية، فالحلفاء الأوروبيون أوسعتهم إدارة بوش سخرية وإهانة حين اختلفوا معها، فحين عارضت ألمانيا وفرنسا غزو العراق استهزأ بهما دونالد رامسفيلد ووصفهما «بأوروبا القديمة». وحين جرؤت الدول الاسكندنافية على معارضة إدارة بوش، سخر منها جون بولتون «ببلاد الشيكولاتة»!
أما المعارضون في الداخل الأميركي فلم يكونوا في الواقع أفضل حالاً إذ تعرضوا لحملات اغتيال معنوي وألصقت بهم تهم شتى بدءاً بمساعدة العدو ومروراً بتعريض الأمن القومي الأميركي للخطر ووصولاً للخيانة. ولم يسلم من تلك المكارثية الجديدة حتى الرموز البارزة التي قدمت تضحيات هائلة لأميركا نفسها.
وقد بلغت غطرسة إدارة بوش مدى غير مسبوق طال الشعب الأميركي نفسه وعبرت عنه سلوكيات وتصريحات عدة كان آخرها تصريح بالغ الدلالة جاء على لسان ديك تشيني عشية زيارته الأخيرة للعراق، ففي حوار تلفزيوني قالت له المحاورة ان ثلثي الشعب الأميركي يرى أن غزو العراق كان غلطة فإذا بنائب الرئيس الأميركي يرد قائلاً: «ثم؟!» وهو ما دفع المحاورة لأن تقول له «ألا يهمك أن أغلبية المواطنين يعارضونك؟». بالعربي الفصيح لا يرى ديك تشينى أية غضاضة في المضي قدماً في سياسة يرفضها أغلبية شعبه.
وقد جسد رد فعل تشيني عمق الأزمة التي تمر بها الولايات المتحدة اليوم. فالإرث الأكثر خطورة لإدارة بوش لا يتعلق بكوارث السياسة الخارجية بقدر ما يتعلق بالتقويض المنظم الذي قامت به هذه الإدارة للديمقراطية الأميركية نفسها.
ففي عهد بوش تم الافتئات على الدستور الأميركي نفسه، حيث انهار أهم ما يضبط إيقاع النظام السياسي وهو ما يسمى «بالرقابة والتوازن» بين المؤسسات. فحتى قبل أحداث سبتمبر كانت هناك رموز في إدارة بوش ـ وعلى رأسهم ديك تشينى ـ تسعى منذ اللحظة الأولى لتوسيع صلاحيات المؤسسة التنفيذية على حساب المؤسستين التشريعية والقضائية. وقد كانت أحداث سبتمبر بمثابة هدية على طبق من فضة لهؤلاء لأنها أعطتهم ذريعة ممتازة لتحقيق ذلك «بدعوى حماية الأمن القومي». وقد نجحوا فعلاً في التوسع في صلاحيات المؤسسة التنفيذية على حساب المؤسستين القضائية والتشريعية، وقد ساعد ذلك نفسه على تمرير سلسلة من القوانين والقرارات التنفيذية المناهضة للحريات المدنية التي تعرضت في عهد بوش لأسوأ اعتداء عليها منذ عهد نيكسون. بل لعل الوضع صار أسوأ من فترة حكم نيكسون. فإدارة بوش هي على سبيل المثال أول إدارة أميركية تدافع علناً عن التعذيب بل وتطالب بالحصانة لشركات الاتصالات التي ساعدتها على التجسس على المواطنين الأميركيين دون إذن قضائي.
وبعد مرور أعوام خمسة على احتلال العراق، تستعد الولايات المتحدة لاختيار رئيس جديد. وهو الرئيس الذي سوف يرث تركة ثقيلة في الداخل والخارج تم مأسستها وتكريس معالمها على مدار ثمانية أعوام كاملة.
وما لم ينجح ذلك الرئيس في تفكيك ذلك الإرث الداخلي البائس تحديداً أي المتعلق بالافتئات على الدستور والاعتداء على الحريات المدنية فلا أمل في تغيير السياسة الخارجية الأميركية. فالتغيير في الخارج شديد الصعوبة ما لم تكن هناك قوى حية في الداخل تدفع نحوه بقوة وتمارس رقابة فاعلة على الأداء الحكومي. وهو ما لن يحدث إذا ما ظلت الحريات المدنية مقيدة والمؤسسات السياسية مغيبة.
كاتبة مصرية
