البابا يدين الإباحية في المجتمع الأميركي. كان هذا المعلم الرئيسي في سياق أحداث الزيارة البابوية للولايات المتحدة خلال الأسبوع. فهل يتجاوب المجتمع الأميركي أو على الأقل مجتمع الطائفة الكاثوليكية في الولايات المتحدة مع مثل هذه الإدانة؟

لقد أشار البابا إلى حادثة معينة تتمثل في ضلوع عدد من الكهنة في اعتداءات جنسية على أطفال قائلاً إنها «مصدر خزي» للكنيسة.

ورغم بشاعة هذه الوقائع وحرص رأس الكنيسة الكاثوليكية على التشنيع بها إلا أن الملاحظة العامة التي استخلصها هي الأهم، فقد تحدث البابا عن «الإطار» الذي وقعت فيه تلك الفضائح وهو السلوك الجنسي في المجتمع الأميركي، هنا يتساءل البابا: ما معنى الحديث عن حماية الطفل عندما يمكن رؤية الإباحية وأعمال العنف في الكثير من البيوت من خلال وسائل الإعلام التي يمكن الوصول إليها بسهولة في أيامنا هذه؟

ولتقييم ملاحظة بابا الفاتيكان بصورة موضوعية علينا أن نفرق أولاً بين الديانة ـ أي ديانة ـ وسلوك أتباعها. فانحراف فئة أو فئات من المسيحيين عن تعاليم وقيم الديانة المسيحية ومثلها العليا التي جاء بها المسيح عيسى بن مريم عليه السلام لا ينبغي أن يؤخذ على هذه الديانة، حتى لو شمل الانحراف مجتمعاً بأكمله، ومع ذلك هناك سؤال أساسي ينبغي أن يطرح:

لماذا فقدت الكنيسة تأثيرها الأخلاقي ليس على المجتمع الأميركي المسيحي وحده وإنما على المجتمعات الغربية قاطبة؟

ولا شك أن القيادات المسيحية الغربية تعرف الإجابة، كانت البداية قبل بضعة قرون عندما قبلت المؤسسة الكنسية أن يفرض عليها المبدأ العلماني الأعظم المتمثل في «فصل الدين عن الحكم».. فقد كان إيذاناً كما ثبت لاحقاً باضمحلال سلطة الكنيسة الأخلاقية بالتوسع التدريجي لتطبيق فصل الدين عن الحكم ليشمل أولاً فصل الدين عن السياسة على إطلاقها، وثانياً فصل الدين عن المجتمع برمته.

هذا هو الهاجس الأعظم الذي ينبغي أن يؤرق مؤسسة البابا الكاثوليكية والمؤسسات الكنسية الأخرى بهدف إعادة الاعتبار لتعاليم المسيح خاصة أن الاضمحلال الأخلاقي بلغ درجة أن يستخف قادة الكنيسة أنفسهم بثوابت الأخلاقيات الدينية المسيحية، فبعض الكنائس في الولايات المتحدة أصبحت تعترف بأن للشواذ جنسياً «حقوقاً» بل تذهب أبعد من ذلك بأن تعقد وتبارك «زواجاً شرعياً» بين «مثلي الجنس».. رجالاً ونساءً.

ومن المثير أن البابا انتقد في سياق زيارته ما أطلق عليه «الطابع السطحي للتدين» في المجتمع الأميركي. ومن ذلك مثلاً أن الأسر الأميركية «المتدينة» تذهب إلى صلاة الأحد في الكنيسة لا لأي سبب سوى مجرد الالتقاء الاجتماعي مع أسر أخرى.

صفوة القول ان مبدأ «الحرية الشخصية» في الغرب طغى على التدين من المنظور الأخلاقي. فالمبدأ يشمل أيضاً حرية الإباحية الجنسية، وهو في حقيقة الأمر امتداد لمبدأ الحرية الاستهلاكية التي تشكل لب النظام الرأسمالي.

تفكر في المشهد: كم من الصناعات تنهار حتمياً لو شاع الالتزام الأخلاقي المسيحي في المجتمعات الغربية: من صناعة الأفلام وصناعة الإعلان التجاري إلى صناعة علب الليل ودور الدعارة المرخصة إلى صناعة الاتجار بالبشر بأشكالها الأخرى.