«مؤتمر الجوار» المعقود في الكويت، يأتي في لحظة عراقية دقيقة، بأحداثها واحتمالاتها. فالبلد يجتاز مرحلة يغلب عليها اللون الرمادي الانتقالي. أو على الأقل هو يقف على عتبتها. وفي مثل هذه الحال، يحتاج إلى كل الدعم والمساندة، المتاحين. وخاصة من جيرانه. وبالذات من جانب الذين طالما اشتكى من عدم تعاونهم معه؛ ناهيك بالتدخلات.
تسوية العلاقات معهم، تكتسب أهمية خاصة في هذا الوقت. فمن جهة يعينه ذلك على التخفّف من متاعب خارجية، تسببت بزيادة تعقيد أوضاعه؛ ومن جهة ثانية، يساعده على الالتفات أكثر نحو الهموم المحلية؛ ونزفها وأكلافها الباهظة؛ من عبء الاحتلال إلى دوّامة العنف الداخلي وانتهاء بالعملية السياسية المتعثرة. وهنا يكمن التحدّي الأكبر؛ لأن الخلاص يبدأ به. فالداخلي هو الأساس. والخارجي، على أهميته، عامل مكمّل.
للمرة الثالثة تلتقي دول الجوار ومعها حضور واسع ومتنوّع؛ من عربي ووزراء خارجية دول كبرى ومنظمات دولية، للبحث في الوضع العراقي. في المرتين السابقتين - في تركيا ومصر - العام الماضي، كانت الظروف مختلفة؛ والخلافات مأزومة أكثر.
الآن ينعقد المؤتمر في ظلّ ما يتردد عن هبوط ملحوظ في معدّلات العنف؛ كما في ظلّ دعوات «لتطبيع» علاقات العراق مع الدول العربية؛ لجهة إعادة فتح البعثات الدبلوماسية العربية في بغداد؛ كما دعت إلى ذلك الوزيرة رايس صراحة، في الأيام الأخيرة وبصوت عالٍ. مع أنها تدرك الموانع التي حالت دون هذه الخطوة اللوجستية، في معظمها.
فلا توجد مقاطعة بهذا الخصوص. فقط هناك عزوف، معروفة دواعيه. كما أن مسوّدة البيان النهائي، أتت على ذكر أمور أخرى، من شأنها تعزيز مسيرة إحياء الدولة ومؤسساتها، مثل «دعم الحكومة العراقية في اعتزامها نزع سلاح الميليشيات وفرض القانون»؛ مع التركيز على «وحدة العراق وسيادته وتوفير المساعدة الاقتصادية والأمنية له». وعلى هذا الأساس تحدثت الوزيرة رايس عما سمّته بضرورة «إعادة دمج العراق في الشؤون الإقليمية»؛ ومن موقع أنه دخل «ربيعه» السياسي!
مثل هذا الكلام يطيب سماعه. ومثل هذا الدعم والتفهم من دول الجوار، مطلوب ومرغوب جداً. لكن الأمور على الجبهة الداخلية، لا تبدو أنها مهيأة لاستقبال هكذا تغيير في الريح الآتية من الخارج. هذا على فرض أنها في وارد التغيير. فهناك، حرب مطاردة، تدور الآن، على الساحة المحلية. يقابلها تهديد بحرب «مفتوحة»، من جهة ثانية.
والعملية السياسية، لا تزال في حالة انسداد؛ بالرغم مما تردّد عن قرب عودة بعض الأطراف إلى الحكومة. الأمر الذي يشير إلى نقطتين:
الأولى أن الوضع لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات الأمنية.
الثانية، أن المراهنة في حسم الصراعات الداخلية، تقوم على الخيار الأمني؛ وبالتالي عن تجميد الخيار السياسي، الذي لا ينهض إلا على المصالحة الوطنية الشاملة؛ والتي لا مدخل سواها للخلاص من الاحتلال ومن العنف الدموي المستبد بالبلد.
مشاكل العراق مع الجوار، من الضروري معالجتها. لكن مشاكل العراق مع أهل الدار تبقى الأخطر، وبالتالي الأولى بالمعالجة.
