«النجدة، برلسكوني يعود»، هذا هو العنوان الذي اختارته صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية على صدر صفحتها الأولى وبالخط «العريض جدا»، يوم 15 أبريل الجاري للإعلان عن فوز معسكر سيلفيو برلسكوني في الانتخابات التشريعية التي شهدتها إيطاليا في الثالث عشر من نفس الشهر. كانت استطلاعات الرأي قد توقعت فوز «برلسكوني»، ولكن فوزه فاق «التوقعات» و«الاستطلاعات»، إذ ستكون لديه أغلبية برلمانية «مريحة» تدعم حكومته في مجلس النواب ومجلس الشيوخ الإيطاليين.
هذا فيما يخص «الخبر». فماذا عن الرهانات الخاصة بالنهج الإيطالي على مختلف المستويات المحلية والأوروبية والدولية خلال هذه المرحلة الجديدة ـ القديمة؟ . إن برلسكوني يعود للسلطة بعد أن كان قد ترأس الحكومة الإيطالية في فترتين سابقتين.
ما يدعو للتوقف أولا هو شخصية برلسكوني نفسه والتي لا يمثل «التطرف في إعلان العدائية» أقل سماتها بروزا. هذا ما أثبته أيضا في حملته الانتخابية الأخيرة عندما وصف خصمه الرئيسي «والتر فيلتروني»، مرشح وسط اليسار، أنه «كذاب محترف».
ووصف برنامج حزبه، الحزب الديمقراطي، أنه «ليس سوى مجرد ورقة تستحق أن تلقى في سلة المهملات». ولم يتردد في إعلان تمنياته بعرض رجال القانون «دوريا» لامتحانات «تثبت سلامتهم العقلية». وبرلسكوني هو صاحب الرأي المثير للغرابة عندما يصدر عن رجل دولة «مسؤول» والذي أكّد فيه «تفوق الحضارة الغربية» على الحضارة العربية ـ الإسلامية . كان ذلك بتاريخ 27 سبتمبر 2001.
للأمانة ينبغي التذكير أن الاتحاد الأوروبي أدان تصريح برلسكوني وأخذت باريس ولندن مسافة عنه، وحتى واشنطن أظهرت «انزعاجها» منه. الأصوات كلها اتفقت على القول أنه لا يحق لمسؤول كبير في دولة إصدار أحكام على «حضارة» الآخرين. الأسوأ هو أن برلسكوني اقترف فعل «التعميم»، المخلّ دائما، حيال مجموعة كبيرة من البشر ومن الشعوب بينما أن «التباين» هو القاعدة.
واقترف أيضا فعل إثارة «البغض» و«التنابذ» بينما أن صوت العقل و«المسؤولية» يتطلب الدعوة للتفاهم و«التآلف» في عالم يمكن وصفه أنه «مضطرب». ما يتفق عليه الجميع هو أن إيطاليا صاحبة رقم قياسي في أوروبا والعالم بعدد الأزمات السياسية وبتعاقب الحكومات التي بلغ عددها حتى الآن 62 حكومة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ويتفق الجميع أيضا على أن إيطاليا ليست بأحسن حال اقتصاديا وسياسيا. ومنذ بداية عقد التسعينات كشفت عملية «الأيادي النظيفة» عن تورّط سياسيين كبار، من اليمين واليسار، بعمليات غير مشروعة، وليس أقلّهم شأنا رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق «بيتينو كراكسي» الذي وُجهت له تهمة «الثراء غير المشروع».
وجيليو اندريوتي، رئيس الوزراء اليميني ـ الديمقراطي المسيحي ـ الأسبق أيضا، المتهم ب«التعاون مع المافيات». حالة لخّصها باختصار، مدير مجلة «ميكروميغا» الإيطالية بالقول: «إننا، بوجود ديمقراطيتنا المريضة وسيطرة الجريمة المنظّمة على قطاعات كاملة في البلاد، وصلنا إلى تخوم أوروبا. ويكفي القليل كي نجد أنفسنا خارجها».
كان سيلفيو برلسكوني قد أصبح رئيسا لوزراء إيطاليا للمرّة الأولى عام 1994 مدعوما من قبل «الإمبراطورية الإعلامية» التي يمتلكها ومتحالفا مع أقصى اليمين متمثلا ب«التحالف الوطني» الفاشي و«رابطة الشمال» العنصرية. لم تستمر حكومته تلك سوى ستة أشهر.
وبالاعتماد على نفس «الإمبراطورية الإعلامية» وقنواتها التلفزيونية العديدة، وأيضا على ثروته الضخمة، أصبح رئيسا للوزراء للمرة الثانية بعد الانتخابات التشريعية لشهر مايو ـ أيار 2001. كانت المعادلة بسيطة وهي أنه عند امتلاك السلطة الاقتصادية والسلطة الإعلامية يتم الوصول «آليا تقريبا» إلى السلطة السياسية. وفي تلك المرة أيضا تحالف مع بقايا الفاشية وعنصريي رابطة الشمال.
واليوم، وبعد غياب كبير عن المسرح السياسي بدا معه أن برلسكوني قد «انتهى»، ها هو يعود بقوة مع نفس الحلفاء ونفس الشعارات تقريبا وفي مقدمتها «خفض الضرائب». وكان هذا ما وعد به، ولم ينفّذه حقيقة في المرتين السابقتين. وهذه المرّة أيضا قدّم نفسه للناخبين الإيطاليين على أنه «المنقّذ». وبسبب حالة «الانسداد» التي تعيشها إيطاليا على عدة مشارب «صدّقوه» بل نسوا، أو «تناسوا»، تجارب الماضي القريب.
لكن مهمته هذه المرّة هي «على الأقل» بنفس صعوبة المرتين السابقتين. وهو أقل شبابا ،وربما نشاطا، إذ يبلغ من العمر 71 عاما. إنه مدرك لذلك وقد حاول «تمويهه» أثناء الحملة الانتخابية عندما أطلق أمام الجمهور بعض «الدعابات» حول النساء. وقال في أحد تعليقاته: «أنا أطول قامة من بوتين ومن ساركوزي، وبنفس طول رومانو برودي ـ رئيس وزراء إيطاليا الخارج ـ إذ يبلغ طولي 71. 1 سنتمترا».
بالنسبة للرئيس الفرنسي ساركوزي، وفيما هو أبعد من القياس بالسنتمتر، إنه أحد الشركاء الأوروبيين الذين يعوّل عليهم. ولم يتردد في التصريح: «إن أول شيء سأفعله بعد الاقتراع هو الاتصال هاتفيا بساركوزي». لماذا؟. ذلك «أن ساركوزي رأى في برلسكوني نموذجا ـ موديلا» والكلام دائما هو لبرلسكوني.
لكن لا شك أن أغلبية الفرنسيين لا يرون ببرلسكوني «موديلا» وهو ليس بالتأكيد «النجم» الذي تتطلع له أوروبا، ولا شيء يسمح بالقول،اعتمادا على التجارب السابقة، أن نجاحات «تنتظره» على المسرح الدولي. مع ذلك الإيطاليون هم الذين انتخبوه مرة أولى... ومرة ثانية... والآن مرة ثالثة. هو بالتأكيد لم يتغيّر. والإيطاليون لم يتغيّروا. الرياح وحدها هي التي غيّرت اتجاهها، وعرف برلسكوني أن يجري بنفس الاتجاه. إنها لعبة الديمقراطية على كل حال.
بعد إعلان نتائج الانتخابات اتصلت بأحد الأصدقاء الإيطاليين كي «أهنئه» بفوز برلسكوني، إذ كان متفجرا جدا من الحكومة السابقة ـ التي زادت الضرائب ـ الناتجة عن تحالف وسط اليسار بزعامة رومانو برودي. قال لي كلاما كثيرا يمكنني أن أترجم محتواه بالقول الشهير: رب يوم بكيت منه فلمّا صرت في غيره بكيت عليه.
إنّها نسبية الأشياء... فهذا أفضل من «بكيت منه... ومنه».
كاتب سوري