السياسة في الأصل شيء، لكن التسييس شيء آخر، السياسة هي الفعل الطبيعي والتسييس هو الافتعال، السياسة هي الحكم السليم والتسييس هو التحكم، والسياسة هي السلطة العادلة والعاقلة والتسييس هو التسلط، السياسة هي تحقيق الحاكمين لأهداف المحكومين بحكمة، والتسييس هو فرض الأجندة السياسية الخاصة على الأجندة الاجتماعية العامة بلا حكمة.
السياسة في تصور بسيط هي منح الشعب ما يريده من السلطة المشروطة لتحقيق ما يريده وبما يريده الشعب. بينما التسييس هو فرض من لا يريده الشعب سياسته الخاصة ولمصالحه الخاصة على عموم الشعب. والسياسة هي حكم الشعب بمشاركة الشعب وفق مبادئ وقواعد وإجراءات يقررها الشعب، والتسييس هو فرض سياسات تتحكم ولا تحكم دون مشاركة الشعوب، وفرض الأجندة السياسية الخاصة على الأجندة السياسية العامة.
وفارق كبير بين أن يسيس المجتمع بسياسة جامعة بالمشاركة مع إرادة قواه المختلفة والسير معا على نفس المسار، وأن تسيس إحدى القوى كل المجتمع بسياسة منفردة ومفروضة بغير تنسيق ولا توافق ولا مشاركة وفي ذلك خروج عن المسار.
ومهام السياسي القائد لحركة قوى المجتمع أقرب إلى مهام قائد حركة السير، الذي عليه تنظيم حركة السير في كل المسارات المتوازية والمتقاطعة وفق قواعد يعلمها الجميع ويتفق عليها الجميع ويحترمها الجميع لأنها تضمن سلامة الجميع دون تمييز بما يضمن حقوق الجميع في المرور إلى أهدافهم بأمان.
وبما يحقق انطلاق الحركة إلى الأمام لا إلى الخلف بسرعة، دون أن يلغي سير كل المركبات لتسير مركبته وحده، ودون تحرير المخالفات فقط لخصومه أو للون معين من السيارات، ودون تصادم بين المركبات ودون دخول مسار على آخر بما يربك كل المسارات.
السياسة هي المسار الرئيس وليس الوحيد، النابع من المسارات الاجتماعية الأخرى من ثقافة واقتصاد وقانون ورياضة وفنون، والقائد لها دون إلغاء لدور أي منها أو طغيان عليها، والمنظم لحركتها بما يضمن توازي وتوازن تلك المسارات بما يكفل انطلاقها بحرية، وبما يحول دون تصادمها.
والسياسة هي فن وعلم وفلسفة التعامل والتفاعل والتكامل مع سائر النشاطات المجتمعية الأخرى لحكم الشعوب لتحقيق أهداف الشعوب ،وليست أهداف فئة على حساب الشعوب، وهي النشاط الاجتماعي الإنساني النابع من منابع ثقافية ودينية والقائد لسائر النشاطات المجتمعية الأخرى دون إلغاء أي منها، بشرعية التعبير عن إرادة عامة لا عن إرادة خاصة.
السياسة فلسفة وعلم وفن، بلا إلغاء ولا إقصاء ولا تمييز. .فلسفة حكم لوسائل وغايات العمل الوطني تنفيذا لإرادة الشعب وفق ثوابته الأساسية بما يحفظ حقوق الوطن ويحمي حقوق المواطن، ويعلي بناء الوطن ليعلي قامة المواطن. وهي علم إدارة لمجتمع، ينطلق من الوعي بإمكانياته الطبيعية والبشرية وبمشكلاته الاقتصادية والاجتماعية، وبالمناهج المناسبة غير المناقضة لعقائده والمتوافق عليها لحل هذه المشكلات بعدالة وعقلانية.