لا أظن أحداً في العالم العربي أسعده احتلال العراق، حتى أشد خصوم النظام البعثي عداوة لم يكن يتمنى أن ينتهي على يد الاحتلال الغربي متعدد الجنسيات الذي كتب نهاية هذا النظام الدموي. وليس هذا رجماً بالغيب ولا تبرئة مجانية لساحة أحد بعينه يمكن أن يكون قد ساهم في هذا الاحتلال أو دافع عنه.
بل هو محاولة للتفكير خارج الأطر العدوانية التي يحفل بها الخطاب العربي إزاء كل من لم يجعل المطالبة بالانسحاب الفوري للقوات المسلحة الأجنبية من العراق موقفاً واحداً ووحيداً له. وطالما كان هناك من يتصور أن من يخالفه في الرأي أو التقدير في أية قضية هو خائن وعميل وخارج الصف الوطني، فبالضرورة لن يكون محتملاً أن يستوعب هؤلاء وجود موقف سياسي نريده ولا ننصح به!
وبديهي أن انسحاب كل القوات الأجنبية من العراق يريده كل عربي إن لم يكن انطلاقاً من عروبته، فهو من المؤكد يريده اتساقاً مع قيم إنسانية جديرة بالاحترام تدعوه ـ بل تلزمه أخلاقياً ـ بأن يكون مع حق العراقيين في السيادة على أرضهم ومقدراتهم ومواردهم ومستقبلهم.
لكن ما نريده ليس دائماً ما ننصح به، ليس فقط في السياسة بل في كل شأن يحتاج إلى اجتهاد وتقدير موقف وإعمال عقل، وإلا كانت كل القضايا تحل بمجرد المطالبة وربما حتى دون مطالبة، بشكل آلي مريح، لكن السياسة لم تكن كذلك أبداً.
ولأن السائد على الساحة السياسية العربية هي المطالبة الدائمة بضرورة «الانسحاب الفوري» للقوات الأجنبية من العراق، فإن الإعلام العربي يركز بشكل مقصود على كل دعوة لهذا الموقف حتى لو كانت محدودة القيمة من الناحية العملية، وفي المقابل يتم تجاهل وتهميش كل صوت يحذر من خطورة انسحاب هذه القوات قبل أن تستقر الأوضاع الأمنية ـ والسياسية ـ في العراق، مهما كانت قيمته أو موضوعية موقفه.
ومن هذه المواقف التي تم تهميشها عمداً في الإعلام العربي تحذير له وزنه كونه صادراً عن مؤسسة بحثية معروفة هي «معهد دراسات السلام» الأميركي، لكن هذا التقرير لم يشغل سوى مساحة صغيرة في معظم وسائل الإعلام العربي، وحسب «الأهرام القاهرية» )8 ـ 4 ـ 2008) حذر التقرير من فشل الدولة في العراق،، وحدوث فوضى عارمة قد تفضي إلى الإبادة الجماعية في حاله الانسحاب السريع للقوات الأجنبية من العراق.
ووضع التقرير سيناريوهين لمستقبل الوجود العسكري الأجنبي في العراق، أولهما أن تستمر الولايات المتحدة في دعمها الكامل غير المشروط للعراق، على أن تقوم حكومة غير مركزية تتولى توزيع عوائد البترول، وحفظ الأمن على المستوى الوطني فقط، أو أن تنسحب القوات الأميركية بالكامل من العراق على أن تتم إعادة نشرها في المنطقة.
ولم تكن مصادفة أن يدعو للموقف نفسه وفي التوقيت نفسه قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال ديفيد بترايوس، إذ تبنى في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي الدعوة إلى تجميد عملية انسحاب القوات الأميركية من العراق، كما أدلى السفير الأميركي ريان كروكر بإفادة مماثلة أمام لجنة القوات المسلحة ولجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ وأكد بدوره أن «الاستراتيجية التي بدأت بزيادة عدد القوات تحقق نجاحاً».
وهذا الموقف الذي تبناه فوراً الرئيس الأميركي جورج بوش من المؤكد أنه ليس ما يتمناه العراقيون وليس ما يتمناه أي عربي، بل ليس ما يتمناه أي مناصر للحق في العالم أياً كانت جنسيته، لكن أصوات الاحتجاج ـ عربياً وعالمياً ـ على هذا الموقف الأميركي جاءت أقل بكثير مما كان متوقعاً.
والسبب أن المخاطر التي يمكن أن تترتب على انسحاب فوري للقوات الأجنبية من العراق ليست مفتعلة في أصلها، وليست موضوع مبالغة في حجمها، وبالتالي فإن من الإغراق في الرومانسية الاحتكام إلى ما ينبغي أن يكون بالمعيار «المثالي»، دون تقدير حصيف للنتائج الوخيمة التي تبدو مرجحة حسبما تشير الوقائع على الأرض.
وقد كانت المسافة كبيرة جداً بين «الخطاب السياسي العربي» و«الفعل السياسي العربي» خلال سنوات الخمسينات والستينات وساد منطق الحل الفوري الجذري «الآن وهنا» وتحكم المنطق الثوري بحديته الشديدة في المواقف السياسية، وكانت أقرب إلى «التنظير» والترديد الحماسي للمواقف الثابتة منها إلى المعالجة الموضوعية لمشكلات الواقع.
وقديماً قال القائد المغولي الشهير جنكيز خان «وحده المغفل من يخوض حرباً خاسرة سلفاً»، وهو قال هذه العبارة ليبرر هربه من ميدان القتال عندما رأى جيشه يمنى بخسارة كبيرة لم يكن لينقذه منها أن يستمر في القتال حتى الموت، وقد انسحب ليعيد بناء جيشه الذي لم يهزم بعدها أبداً، ولو كان جنكيز خان عربياً في القرن العشرين لوجد الآلاف يصمونه بالخيانة ويطالبون برأسه.
إن السياسة تحتمل، ودائماً كانت تحتمل، أن نقبل ما لا نريد، وأن نعود إلى الخلف بشكل محسوب، لا تخلياً عن حق نحن واثقون من صحته، بل درءاً لخطر أكبر بكثير من مرارة الصبر على احتلال يمس الكرامة الوطنية، والحرب الأهلية التي يخشاها كثيرون ليست مجرد فزاعة تستخدم لتسويغ الاحتلال، فقد ذقنا مراراتها في لبنان، ومازال شبحها يظهر في سمائها من حين لآخر.
أما الإبادة فقد رأيناها رأي العين في البلقان وفي رواندا عندما تخلى المجتمع الدولي عن دوره في حفظ الأمن والسلم الدوليين، لكن التيار العام في العالم العربي يرى أن الأولوية المطلقة هي لسلامة «الكرامة الوطنية» فلا يمسها الاحتلال، أما حق الحياة الذي هو أقدس ما دافعت عنه الأديان السماوية ومن بعدها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان فيأتي في ترتيب متأخر في سلم الأولويات الوطنية لهذا التيار، وبالتالي فإن الانسحاب الفوري هو المطلب الوحيد لهذا التيار.
وهذا الخلل لم يتسبب فيه احتلال العراق بل كشف عنه وجعله معيار اصطفاف جديد على ساحة السياسة، صحيح أن الاتجاه العام مازال يرى أن الأولوية هي لـ «كرامة الوطن» قبل «حياة المواطن»، أو قل حتى لو كانت على حساب حياة المواطن لكن ليس كصوت واحد ووحيد.
ومن ناحية أخرى فإن بعض المواقف الرسمية العربية كشفت عن تغير ملموس في المزاج السياسي الرسمي العربي من مسايرة الأصوات الثورية في تشددها، إلى مزيد من الاحتكام للاعتبارات الواقعية وهناك عواصم عربية تحذر علناً من المخاطر نفسها في حال انسحبت القوات الأجنبية «مبكراً». وهكذا أصبحنا أمام احتلال لا نريده ولا ننصح بإنهائه فوراً، وانسحاب نريده ولا ننصح به!!.
كاتب مصري