جيمي كارتر كان أول وآخر رئيس أميركي يرسم السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي على أساس أن تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط الحيادي النزيه، لكن الأنظمة العربية الحاكمة أهدرت هذه الفرصة التاريخية ـ ربما عمداً.

عندما تسلم كارتر زمام السلطة في البيت الأبيض في مطلع عام 1977 لم تكن منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات تدرك أن الرئيس الأميركي الجديد يعتزم إجراء تغيير جذري في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط المنحازة بصورة قوية وفاضحة لإسرائيل، لكن ما انفضت بضعة أسابيع حتى صدر عن الرئيس كارتر بيان أولي أعلن فيه رؤيته تجاه مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي.

فبعد أن أكد على أن معالجة القضية الفلسطينية تعتبر شرطا أوليا وأساسيا لتسوية المشكلة، وبعد أن أعرب عن أمله لدعوة كافة أطراف النزاع إلى مؤتمر يعقد في جنيف عند نهاية ذلك العام فإنه أذهل الجميع ـ الشعب الأميركي والعرب والإسرائيليين والعالم ـ عندما قال ما نصه: «ينبغي أن يكون هناك وطن للفلسطينيين الذين عانوا على مدى سنوات كثيرة جداً جداً».

ومغزى الذهول الذي شمل الجميع هو أنه حتى ذلك الحين لم يصدر إطلاقا عن أي مسؤول أميركي كبير سواء على ـ المستوى الرئاسي أو ما دونه أي إشارة علنية إلى «وطن فلسطيني». الآن يسعى كارتر علنا ـ وهو خارج المنصب السلطوي لمدى أكثر من ربع قرن ـ إلى إشراك حركة «حماس» بصورة مباشرة في أي عملية تفاوضية. واليوم كما بالأمس لا يكترث لغضب الإسرائيليين أو يهود أميركا أو الشخصيات الأميركية النافذة المتحالفة معهم.

كما كان متوقعاً فإن القوى الداخلية في الولايات المتحدة المتواطئة مع الدولة اليهودية والحركة الصهيونية تحركت من أجل إحباط مسعى الرئيس كارتر وخططه. لكن للأسف فان عددا من قادة الأنظمة العربية الحاكمة ساهموا أيضا في إفشال خطط الرئيس.

لم يكن المشهد مهيئا بعد آنذاك للقاءات مباشرة بين كارتر أو مساعديه مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. ولذا كان الحوار بين الرئيس الأميركي وعرفات يجري عبر وساطة قادة عرب. لكن ثبت لاحقاً أن هؤلاء الوسطاء العرب ـ ربما بضغط من القوى الأميركية المناوئة لكارتر ـ كانوا يتعمدون تشويه مضمون الرسائل المتبادلة بين الرئيس الأميركي والقائد الفلسطيني بغية توصيل الحوار إلى طريق مسدود.

لقد قال الرئيس كارتر نفسه بعد عامين من فتح الحوار غير المباشر مع عرفات انه لم يلتق أي زعيم عربي لديه رغبة في قيام دولة فلسطينية مستقلة. وفي سياق مماثل قال وزير خارجية كارتر سايروس فانس: «إن مسعانا لعبور الجسر قد أحبط للأسف» وكانت الإشارة إلى عناصر عربية.

وجاءت الطامة الكبرى عندما فاجأ السادات العالم بزيارته للقدس دون أي تشاور أو تنسيق مسبق مع قيادة منظمة التحرير وكأنه كان يزايد على عرفات. الآن ليس من المتوقع ان يتمكن كارتر من تحقيق اختراق دبلوماسي في مسعاه الصادق لمناصرة حماس باعتبار أنها الممثل الأول للشعب الفلسطيني من خلال صندوق الاقتراع. لكن فشل كارتر لن يكون إلا لأسباب عربية.