يطوي لبنان اليوم صفحة التأجيل رقم 18 لجلسة البرلمان المقرّرة لانتخاب رئيس جمهورية جديد. المهلة الدستورية لهذا الاستحقاق مضى على نهايتها أربعة أشهر. خلالها ومن وقت إلى آخر وقعت حوادث اغتيال أو خضّات أمنية متفرقة، ومع أن الأزمة بقيت إجمالاً منضبطة داخل الماعون السياسي؛ لكن تلك الأحداث كانت بمثابة تذكير بأن الحصانة ضدّ التدهور الأمني، غير مضمون استمرارها، الرسالة كانت ـ ولا تزال ـ أن الوضع الراهن هشّ بما فيه الكفاية؛ ولا يستوي الركون إليه.

وبالتالي فإن الحاجة تزداد أكثر فأكثر لكسر جدار الأزمة وانتخاب الرئيس العتيد؛ وبأسرع ما يمكن، أول أمس تكرر هذا التذكير، بل التحذير. وربما كان من صنف الإنذار، في مدينة زحلة سقط قتيلان وجرحى، لأسباب من النوع الذي لا يفضي عادة إلى أكثر من شجار عابر، لكن لأن الاحتقان بلغ منسوبه درجة عالية لا تحتمل أي احتكاك؛ أدّت شرارة صغيرة، ليس فقط إلى سقوط ضحايا؛ بل أيضاً إلى حقن البلد بشحنة جديدة من التسخين؛ فيما سخونته عالية بما فيه الكفاية.

خلال الأشهر الأربعة الماضية، جرت محاولات ووساطات عديدة ومتنوعة وبُذلت جهود كبيرة للتلاقي حول مخرج يوفر الخلاص، وكلها انهارت أمام التعقيدات التي لم يحصل أي تزحزح عنها، وبالتحديد المبادرة العربية، التي بالرغم من القبول الشامل الذي حظيت به؛ انتهت إلى المراوحة مكانها، هذا إذا لم تكن قد لفظت أنفاسها، كغيرها من سابقاتها.

وبذلك تكون قد فاتت فرص كثيرة للعبور بلبنان إلى ضفة الخلاص، والآن على بوابة الصيف، عادت درجة حرارة الأزمة من جديد إلى الارتفاع، وصيف الأزمات في لبنان عادة عاصف، التراشق السياسي في ذروته. القطيعة بين الخندقين تامة.

أطراف الأزمة تتجول في العواصم العربية وغيرها؛ ولا تقوى على الاتصال، ناهيك بالتواصل، بين بعضها البعض، في عاصمتها بيروت كافة القنوات بينها مسدودة، فريق يرفع شعار الحوار الفوري والآخر ينادي بأولوية انتخاب الرئيس، على أن يصار بعدها إلى عقد طاولة الحوار، وبين الاثنين يتواصل الفراغ، وكل ما يترتب عليه من تداعيات ومضاعفات، سياسية وأمنية واقتصادية، بات لبنان ينوء تحت أثقالها.

والغريب أن كافة أطراف الأزمة ترفع ذات الشعارات وتتمسك بنفس الشروط في خطابها المعلن، والكل ينادي بالوفاق والحوار والتوافق، كمداخل لا غنى عنها ولا بديل لها. لكن، كما يقال، الشيطان في التفاصيل. كل فريق له تفسيره وأولويته.

وهو يبدو أنه عازم على الذهاب إلى آخر الشوط في لعبة العض على الأصابع. وهنا تكمن، ليس فقط العقدة؛ بل أيضاً المجازفة الخطيرة. فاللعبة باتت تهدّد بأن تتحول إلى مقامرة بالبلد. والدول لا يجوز وضعها على طاولة المراهنات من هذا النوع، المحكوم بالخسائر التي لا تقبل الاسترجاع. فلبنان الذي يتلوّى بين التأجيل والتأزيم، فاضت حمولته على قدرته؛ وعلى أطراف أزمته الإسراع في إنقاذه قبل خسارته، التي لن يبقى لهم بعدها ما يتصارعون من أجله.