حينما يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مؤخرا تمسكه بحل الدولتين، محذرا مما أسماه «الواقع غير المحتمل» المتمثل بـ «الدولة الواحدة ثنائية القومية»، فانه يفتح مجددا ليس فقط ملف العنصرية الصهيونية ضد من تبقى من أهلنا هناك في فلسطين 48، وإنما يفتح أيضا ملف «الدولة اليهودية النقية» وملف «الترانسفير ضد عرب48»، ويثير أبعد من ذلك «هواجس الرعب الديموغرافي» التي تقف الى جانب استراتيجيات وأهداف أخرى وراء كل قصة «الترانسفير والدولة النقية».

فقد قال أولمرت خلال زيارته لثكنة لجيش الاحتلال قرب الخليل: ثمة أهمية كبيرة في التوصل إلى حل الدولتين للشعبين، وإذا لم يتحقق ذلك سنتدهور بسرعة أكبر مما نتصور إلى واقع غير محتمل وهو الدولة الواحدة ثنائية القومية.

وهكذا يحملنا اولمرت الى إعادة فتح هذا الملف الذي في الحقيقة لم يغلق أبدا من ناحيتهم!

فقد تراكمت في الآونة الأخيرة جملة كبيرة متزايدة من الإشارات والمعطيات الخطيرة التي تؤكد من جهة أولى : ان المؤسسة السياسية - الأمنية- الأكاديمية- الإستراتيجية الإسرائيلية فتحت أو سحبت من الجارور مجددا ملف «الخطر الديموغرافي العربي» على إسرائيل في الوقت الذي أخذت فيه تلك الأصوات المنادية بـ «ترانسفير» جماعي جديد ضد الشعب الفلسطيني باتجاه «الوطن البديل»، تتزايد وتتقوى من جهة ثانية، ما يقود من جهة ثالثة الى تراصف الأسئلة والتساؤلات الكبيرة المتفجرة المتعلقة بالأجندة الصهيونية الحقيقية تجاه من بقي من عرب فلسطين 1948 أو في الضفة والقطاع.

فوفق المؤشرات الإسرائيلية فإنه ما من موضوع راهن في سياق الصراع يحتشد حوله إجماع قومي إسرائيلي أكثر من موضوع الأرض و«الديمغرافيا» و«الدولة اليهويدية النقية» وكذلك «الترانسفير» وإن كانت الأحزاب الكبيرة لا تعلن عنه صراحة.. فهم وفق هذا الإجماع يريدون الأرض كلها يهودية صهيونية بلا سكان عرب، ومن هنا شكلت ولا تزال دائما هذه المسألة هاجسا يقض مضاجعهم.

يطلقون عليها تارة المسألة الديمغرافية، وتارة أخرى الخطر الديموغرافي وتارة ثالثة القنبلة الديمغرافية المتكتكة.ويجمعون هناك في إسرائيل على أنها تشكل تهديدا إستراتيجيا داهما ودائما لوجود إسرائيل.

وقد أطلقوا على أولئك الباحثين والمحللين والمفكرين من الإسرائيليين الذين يفتحون «الملف الديموغرافي» ويثيرون الجدل حوله اسم «أنبياء الغضب الديموغرافي»، ذلك أن عددا منهم يتنبأون بنهاية الدولة اليهودية، بسبب التكاثر الديموغرافي العربي، وكان في مقدمة هؤلاء وأولهم البروفسور المعروف الياهو رابينوفتش الذي تنبأ بـ «خراب إسرائيل» بعد احتلالها للأراضي العربية في يونيو 1967م. وكثرعلى مدى السنوات الماضية عدد أنبياء الغضب الديمغرافي لدرجة بات يصعب حصرهم!

ربط الدكتور عبدالوهاب المسيري في مقالة له حول المسألة ربطا جدليا ما بين ثلاثة هواجس تهيمن على «الخريطة الإدراكية الإسرائيلية» هي: الهاجس الديموغرافي وهاجس نهاية وجود إسرائيل كدولة يهودية، وهاجس حق العودة وتقرير المصير لملايين اللاجئين الفلسطينيين .

كان المؤرخ الإسرائيلي البروفسور ( بني موريس) قد تناول مشكلة (الخطر الديمغرافي العربي) قائلا: فقط اذا واجهت إسرائيل المسائل الحقيقية الجوهرية في الصراع -مثل الديمغرافيا وحق العودة، والاعتراف بحدود إسرائيل الديمغرافية - فإن مستقبل الدولة سيكون مضمونا، أما كبير الديمغرافيين المختص في «الديمغرافيا اليهودية» البروفسور سيرجي ديلا فرغولا فقد تنبأ مبكرا قائلا: خلال سنوات معدودات سيتحول اليهود الى أقلية في المساحة الواقعة بين البحر المتوسط ونهر الأردن وأن الحل يكمن في تغيير الوضع الديموغرافي لصالح اليهود بصورة ملموسة.. ويجب مثلا نقل عرب المثلث للجانب الآخر مما سيريح إسرائيل من ثلث سكانها العرب، الأمر الذي يضمن أغلبية يهودية حتى العام 2050 على الأقل.

أما البروفسور الديمغرافي الآخر وهو امنون سوفر فقد توقع أن إسرائيل تسير نحو الانتحار وأن الحل يكمن في التخلص من السكان وإقامة الجدار.. فهذا يعني النجاة لليهود.. ويقول: ان السور هو الطريق الوحيد للانتصار على الرحم الفلسطيني، فإذا سقط هذا الجدار سيغمرنا طوفان هائل من الفلسطينيين..

واذا سقط الجدار سقطت إسرائيل. الصحافي الاميركي بنجامين شفارتس أحد كبار محرري مجلة «اتلانتيك» الأميركية أوصل الجدل الديموغرافي الإسرائيلي إلى ذروة جديدة محمومة حينما كتب مؤخرا متسائلا تحت عنوان: هل ستبقى إسرائيل قائمة بعد مئة عام؟، وأجاب شفارتس بوضوح: إنه قرر مستندا إلى محادثات أجراها مع جهات إسرائيلية مختلفة في إسرائيل وبالأساس على التوقعات الديمغرافية الإسرائيلية: أن الرحم الفلسطيني هو قنبلة متكتكة فعلا.. وستؤدي في نهاية المطاف الى ترجيح كفة الميزان السكاني الفلسطيني ومنع إسرائيل من الحفاظ على التوازن الديموغرافي في مايو 2048.

كانت «وثيقة مؤتمر هرتسليا الأول» وهي الأخطر في هذا المنطلق قد أوصت المؤسسة الإسرائيلية بإعطاء الأولوية العليا للمشكلة الديمغرافية مؤكدة: سيكون من الواجب إيجاد مخرج.. ليس في دولة إسرائيل، دائما إلى الشرق من الأردن. لنقف في الخلاصة المكثفة أمام الحقيقة الكبيرة الساطعة الماثلة أمامنا في فلسطين: إننا ما زلنا أمام مشروع صهيوني استعماري استيطاني اقتلاعي إحلالي كبير ومرعب يستهدف فلسطين والأردن معا وليصل إلى حدود الفرات، بل أن هذا المشروع يشهد في هذه الآونة أوج تطبيقاته الإرهابية الإجرامية بقيادة اولمرتية أو بن موريسية على حد سواء؟

فبني موريس سابق شارون في الدعوة الى حروب الإبادة العنصرية واستكمال المهام الصهيونية القذرة في المجازر والاقتلاع والترحيل والوطن البديل!

بينما نتبنى ونتعاطى عربيا في مواجهة ذلك المشروع، بثقافة السلام وتعديلات المناهج ومصفوفات مفاهيم حقوق الإنسان والتعايش والتطبيع ، و ليتبين لنا مجددا أننا عمليا أمام نبوءات أنبياء الغضب الديموغرافي .

كاتب فلسطيني

Nawafzaru@yahoo.com