لم يعد سؤال اليوم الفلسطيني يقتصر على شكل الوجود، أي على السياسة اليومية، لجهة ما يجري على جبهة السلطة، ومصير المسار التفاوضي مع إسرائيل، والصراع الدائر بين فتح وحماس، ومآل منظمة التحرير على أهمية كل ذلك، إذ بات يتجاوز كل ذلك إلى السؤال عن أساس وجود القضية والشعب والحركة الوطنية.

بالنسبة لمعظم الفلسطينيين باتت عملية التسوية مجرد دوامة، أو ملهاة، مع استفحال النشاط الاستيطاني، ولاسيما في وسط الضفة وفي منطقة القدس، ومع بناء الجدار الفاصل الذي يضم أراضي من الضفة، ويقطّع أوصالها، ويحدّ من التواصل الجغرافي والاجتماعي. فوق ذلك فثمة انطباع بأن هذه التسوية.

في حال حصلت، ستكون منقوصة، ومجحفة، لأنها لا تتضمن حلا عادلا لقضية اللاجئين، ولأنها تقتطع أجزاء من أراضي الضفة، وتبقي السيطرة الإسرائيلية عليها، خصوصا في القدس، يضاف إلى ذلك علاقات التبعية والارتهان التي تربط الكيان الفلسطيني الناشئ بإسرائيل.

أما على صعيد الانقسام الحاصل، جغرافيا (بين الضفة وغزة)، وسياسيا (بين فتح وحماس) فثمة نوع التناقض في التعاطي مع هذا الموضوع، حيث التوتر مصحوب باللامبالاة، للمآل الذي وصلت إليه الساحة الفلسطينية من اقتتال وانقسام واختلاف، لا يبدو أن ثمة في الأفق ما يفيد بإمكانية إيجاد حل له. وينطبق ذلك إلى حد كبير على الموقف من الكيانية المتمثلة بمنظمة التحرير أو المتمثلة بالسلطة، فهذين الكيانين لم تثبت صدقيتهما في إدارة الوضع الفلسطيني.

هكذا ورغم أهمية كل ما تقدم فثمة شعور سائد لدى غالبية الفلسطينيين بأن فلسطين (القضية والشعب والحركة الوطنية) باتت في دائرة الخطر على الوجود.

قضيتهم، مثلا، باتت في طريق مسدود، أكثر من أي مرة في تاريخها، إذ لم تعد في مركز اهتمامات العالم العربي، على صعيد الحكومات والمجتمعات، فثمة احتلال العراق، ومشاكل السودان، ومخاطر تتهدد لبنان، كما ثمة بروز للعصبيات المذهبية والطائفية والاثنية في أكثر من مكان في العالم العربي؛ هذا إضافة للأزمات الاقتصادية التي تعيشها المجتمعات العربية.

أيضا لم تعد قضية فلسطين المصدر الوحيد للتوتر في الشرق الأوسط، فثمة الصراع على العراق، ومحاولات إيران تعزيز نفوذها فيه وفي الشرق الأوسط، في تحد للنفوذ الأميركي، وللنظام العربي. وثمة صعود للتيارات الإسلامية المتطرفة، التي تتوسل العنف لفرض أجندتها على مجتمعاتها وعلى الصعيد الدولي؛ دون أن ننسى محاولات الدول الكبرى فرض مشروعاتها، على حكومات ومجتمعات المنطقة، بوسائل القوة والضغط، ودون اعتبار لأولوياتها ومصالحها.

أما الشعب الفلسطيني فوضعه ليس أفضل، إذ تعرض لاستنزاف طوال السنوات الماضية، بعد أن فرضت إسرائيل عليه الحصار المشدد، وجعلت من قطاع غزة مجرد سجن كبير، ما أدى إلى انتشار الفقر والبطالة، وفقدان فرص العمل، وانهيار العملية التعليمية، وازدياد مظاهر الإحباط وانعدام الأمل. ومعلوم أن المجتمع الفلسطيني بات يعتمد على معونات الدول المانحة، ما يعمق من ارتهانه لمعادلات عملية التسوية التفاوضية.

وبالنسبة للحركة الوطنية فهي تعيش حالا صعبة من الانقسام والفوضى وغياب الهدف. والمشكلة أن هذا الانقسام أفاد إسرائيل، وسهل عليها استفراد القطاع والتنكيل به، والترويج للعالم بأن الفلسطينيين ليسوا مؤهلين لإدارة أوضاعهم، وأنهم غير محل ثقة في عملية سلام بدليل الاقتتال فيما بينهم.

فوق ذلك فإن الحركة الوطنية، وهي تعيش هذه الحال، تبدو منهكة ومستنزفة، بعد أن زجّت بمعظم قواها في المواجهات المسلحة التي دارت طوال الفترة السابقة (أي منذ سبتمبر 2000 ـ 2004)، ضد إسرائيل. ودليل ذلك تراجع العمليات المسلحة، وضمنها العمليات التفجيرية إلى حد كبير، في السنوات الثلاث الأخيرة.

وبالنسبة لواقع الفصائل، فثمة تآكل واضح في حركة فتح، التي دبت فيها الشيخوخة، وضعف فيها الحراك الداخلي، ما أدى إلى تكلسها وتدني فاعليتها، وبالتالي تراجع مكانتها ودورها، خصوصا بعد أن أخفقت في خياراتها، في المقاومة والتسوية وفي الانتفاضة والمفاوضة، أو على الأقل في طريقة إدارتها لهذا الخيارات، واللافت أن ليس ثمة مؤشرات تفيد بإمكان استنهاض هذه الحركة لأوضاعها، في المدى المنظور.

ومن جهة حماس، فهي ليست ضمن إطار منظمة التحرير، وهي تحسب على منظومة الإسلام السياسي أكثر مما تحسب كحركة تحرر وطني، وفوق هذا وذاك فإن هذه الحركة غير مرغوبة في الإطارين العربي والدولي، وهي لا تبدو مؤهلة أو ناضجة، لتكييف نفسها مع الأوضاع العربية والدولية.

أما خارج فتح وحماس فليس ثمة فصيل قادر على احتلال مكانة فاعلة، بحكم ضعف الفصائل وتشتت قواها، وعدم قدرتها على تطوير قوة ثالثة قادرة على استنهاض الساحة الفلسطينية وإعادة التوازن لها، وترشيد سياساتها.

يتبيّن من ذلك بأن الساحة الفلسطينية تواجه مرحلة على غاية في الخطورة والتعقيد، لاسيما على ضوء استمرار المعطيات الدولية والإقليمية وتوازنات القوى الحالية، المحيطة بالصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

طبعا ثمة صعوبة في الحديث عن مخارج، في ظل هذه المخاطر الفادحة، إذ لا تبدو القوى السائدة مدركة لما يجري حولها، في غمرة انهماكها بخطاباتها وسياساتها اليومية. مع ذلك فإن الفلسطينيين معنيين بإيجاد مخارج، أو معادلات سياسية جديدة، تخرج قضيتهم من الاستعصاء المزمن المحيط بها، وتضع شعبهم من جديد على طريق الأمل، وتسهم بتطوير وتجديد حركتهم الوطنية.

والمسألة المطروحة لم تعد تتعلق فقط بتحقيق المصالحة بين فتح وحماس، وإعادة بناء منظمة التحرير، ومواجهة الإملاءات الإسرائيلية، وإعطاء أهمية كبيرة لتحسين حياة الشعب الفلسطيني، لتمكينه من الصمود في أرضه.

فعلى أهمية كل ما تقدم، فإن المسألة باتت تتطلب توليد رؤية سياسية جديدة للساحة الفلسطينية. بمعنى رؤية وطنية استراتيجية، جامعة وموحدة ومستقبلية، تتجاوز عملية التسوية المهترئة والمتراجعة، وتعيد طرح القضية الفلسطينية من أساسها، باعتبارها قضية تحرر وطني، من الصهيونية الاستعمارية «الإحلالية» العنصرية.

وهذا يعني الخروج من دائرة المساومات المتهافتة، والتنازلات المجانية، التي لم تفد إلا في زيادة عنجهية وعنصرية إسرائيل، وإعفائها من مسؤولياتها كدولة مغتصبة ومحتلة.

وهذه الرؤية تتضمن التحول من هدف الدولتين إلى هدف الدولة الواحدة، أكانت دولة مواطنين متساوين، أو دولة ثنائية القومية (تكفل حقوق الفرد والجماعة القومية)، وهذا الخيار يمكن أن يجنب الفلسطينيين الكثير من التباينات والإجحافات، كونه يمكنهم من تعزيز وحدتهم كشعب والحفاظ على وحدة أرضهم التاريخية، كما أن هذا الخيار يشكل تحديا لإسرائيل، التي طاب لها أن تتلاعب بعملية التسوية، طوال المرحلة الماضية. وبديهي ان هكذا رؤية تتطلب أيضا العمل على إعادة بناء النظام الفلسطيني، بكل مقوماته، والتأسيس لأشكال نضالية تتناسب معها.

كاتب فلسطيني