هناك فزعة خليجية على «الهوية الوطنية» في معظم الدول الخليجية، ممثلة في الخلل في (التركيبة السكانية)، حيث يشكل الخليجيون أقلية وسط محيط من الوافدين يشكلون (200) جنسية لهم عاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم وأديانهم ومذاهبهم، تعيش في الخليج وتنتمي إلى 150 قومية وتتحدث 100 لهجة.

يتنامى خوف الخليجيين على هويتهم ولغتهم ودينهم وثقافتهم كلما زاد اندماجهم وانفتاحهم في عالم اليوم، عالم لا يعرف الحواجز القومية والدينية واللغوية والاقتصادية، فيما سمي ب«العولمة» وهو شديد التغير.

كنت في «الإمارات» ووجدت القوم في شغل شاغل بموضوع «الهوية» حيث عقد على مدى أيام «ملتقى الهوية الوطنية» وتحدث فيه كبار المسؤولين التنفيذيين والنخبة من المثقفين معبرين عن قلقهم ومخاوفهم ومشخصين القضية ومقترحين سبل المواجهة للأزمة، لكن اللافت بين الكلمات التي طرحت في الملتقى تلك الكلمة المجسّدة للفزع في أقصى مداه ألقاها مسؤولون إماراتيون.

وفي مقابل هذا الاتجاه المتشائم جاءت حكمة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان ـ وزير الخارجية ـ الواثقة والمطمئنة والمؤكدة عدم التساهل إزاء كل ما من شأنه المساس بمصالح وحقوق بلاده الوطنية (في الوقت الذي نؤكد فيه على نهج التسامح والانفتاح)، موضحاً «من هنا جاء تمسكنا بحقنا في جزرنا الثلاث المحتلة كإحدى أولويات سياستنا الخارجية .

وهو أيضاً تمسك بالشرعية والقانون الدولي»، وفي ما طمأن الحضور بقوله «إننا نضع الآن موضوع العمالة في موقع متقدم في أولويات سياستنا الخارجية وفي علاقاتنا مع الدول المعنِّية» أكد نهج الإمارات الانفتاحي بقوله «لا نريد أن نعيش في جزيرة منعزلة».

دولة الإمارات استجابت لتحديات خلل التركيبة السكانية واتخذت إجراءات عدة عملية منها تشكيل «لجنة التركيبة السكانية» منذ سبتمبر 2007، وهي لجنة تضم كبار المسؤولين في الدولة، وقد توصلت إلى 66 مبادرة، من شأن تفعيلها، تبديد كثير من المخاوف المثارة حالياً حول «الهوية» و«التركيبة» ويأتي في هذا السياق تصريح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عندما قال: «إن مسألة التركيبة السكانية تتصدر أولويات حكومته، وأن على الجميع التعامل معها بجدية ومسؤولية قصوى»، موضحاً «ان مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطة ارتباطاً جذرياً ومصيرياً مع هذه القضية».

ومن المهم أن نذكر ـ هنا ـ ان هذه الجهود المتعددة التي تشهدها الساحة الإماراتية تأتي في سياق إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، بأن يكون العام 2008 عاماً للهوية الوطنية وبتشكيل «هيئة وطنية دائمة» لمتابعة ملف التركيبة السكانية.

الخوف على الهوية هم خليجي مشترك، له مسوغاته ومبرراته، وكل دولة خليجية تعبر عن تلك المخاوف بأساليب مختلفة، لقد كنت في «الكويت» ووجدت القوم منشغلين بجدل ساخن وصاخب حول «الوحدة الوطنية» وهو جدل يهيمن على المناخ السياسي العام بسبب تداعيات وتوابع قضية «تأبين مغنية» وتأثيرها على مكونات المجتمع الكويتي وخوف الكويتيين من ميول وتوجهات البعض وارتباطاته بإيران وحزب الله على الوحدة الوطنية والانتماء الوطني، هناك خوف على الهوية وعلى الوحدة الوطنية وعلى اللغة العربية بالذات.

وطبقاً للكاتب الإماراتي «محمد الحمادي» في الاتحاد «أصبح المواطن يخاف على لغته العربية التي بدأت تختفي بشكل ملفت، ليس في الشارع والأماكن العامة والشركات، بل وحتى في المؤسسات الحكومية وبيوت المواطنين والعرب المقيمين» وهناك البعض المتخوف والمحذر من سياسة «بناء الأبراج العالية» المنتشرة في الخليج، بسبب أنها تستقطب المزيد من العمالة الوافدة الرخيصة بما تحملها من أخطار اجتماعية واقتصادية وضغط على الخدمات الصحية والعامة.

وبما يترتب عليها من البطالة بين الشباب المواطن الذي يحمل مؤهلاً جامعياً لكنه يفتقر إلى التدريب المهني الجيد، ويقول الكاتب الإماراتي «عبدالله رشيد»: «إذا استمرت أبواب الحصول على شتى أنواع التأشيرات مفتوحة على مصاريعها كما هي الحال اليوم، وإذا استمر مئات الآلاف من العمال القادمين بتأشيرات جماعية داخل البلاد عقب الانتهاء من المشاريع العمرانية العملاقة، ولو استمر الخلل في التركيبة على وتيرته الحالية فإن المواطنين في الإمارات لن يشكلوا أكثر من 2% من السكان في العام «2025».

ومن هنا طالب البعض بوضع سقف محدد للجاليات بما لا يزيد على 25% من عدد المواطنين وتشجيع سياسة الإنجاب طبقاً لتحذير «ضاحي خلفان» من «قلة في الإنجاب وتكاثر في الشواب وعمالة تخدم الأرباب» المقولة التي أضاف إليها الكاتب الإماراتي ـ ناصر الظاهري ـ و«شكوى الزوجات الدائم من العذاب» مقترحاً حلاً شعبياً ـ طريفاً ـ لمعالجة الخلل السكاني، ملخصه «أن كل رجل يثبت بتقارير صحية عطب زوجته الأولى وبلوغها مرحلة ـ التكهين ـ ويجد في نفسه الكفاءة والمقدرة وتقديس الحياة الزوجية، فإن الجهات الحكومية ستقوم بتأمين بيت للسكن جديد له ولزوجته الثانية وتتكفل بأمور زواجه ومصاريفه بهدف زيادة النسل وتقليل العنوسة وإصلاح الخلل.

هذه السيناريوهات التشاؤمية تترجم أبرز مخاوف أصحابها تجاه المخاطر المحيطة بالهوية الخليجية لكن ليسمح لي هؤلاء بأن لا أشاطرهم تلك المخاوف ولا أتفق معهم في تضخيم المخاطر وفي نظرتهم التشاؤمية لمستقبل الخليج السكاني والأمني والاقتصادي والاجتماعي، وذلك انطلاقاً من اعتبارات عديدة ـ من أهمها: إن «الهوية» الدينية والوطنية والثقافية مثل «البصمة» الوراثية لا يمكن ذوبانها، سواء على مستوى الأفراد أو الشعوب، لمجرد كوننا ـ أقلية ـ وسط «أكثرية» وافدة، أو لاستقدام عمالة وافدة مرتبط وجودها بالمشاريع العمرانية، أو لأنها قامت بأعمال تخريبية، كما لا يمكن بناء تصورات مستقبلية موضوعية على هذه الحوادث التي تحصل في كل مكان. ستظل الهوية الخليجية راسخة.

وهي أقوى مما يتصوره البعض فقد واجهت تحديات أعظم في فترة المد الناصري والزحف القومي والغزو البعثي المغامر واليساري الثوري وخرجت أقوى، كما واجهت «الهوية» الخليجية شعارات ـ الإسلام السياسي ـ المخادعة وطروحات «القاعدة» العدمية، ومع ذلك انظر اليوم المشهد الخليجي.

مقارنة بالمشهد العربي تجد الخليج هو الجزء الصحي في الجسد العربي العليل. «الخليج» اليوم حلم كل مواطن عربي في المعيشة الكريمة الآمنة له ولأسرته من الخوف والجوع.

لا خوف على الهوية، فالخليجيون متمسكون بثوابتهم الدينية بشكل أقوى، ولا خوف على «اللغة» فهي اليوم أكثر انتشاراً وتمكيناً ـ منذ عقدين كان التخويف من خطر المربيات الأجنبيات على أطفالنا في لغتهم ودينهم، وأثبتت الأيام أنه من قبيل المبالغة، فبعض المربيات أسلمن وتكلمن لغتنا!!

إن عقلية «راعي الغنم» لا تفيد الخليج اليوم، فالخليج بالعولمة أعظم قوة، وحياته أفضل، ولم يفقد هويته بل زاد تمسكاً بها، أميركا هيمنت على العالم بثقافتها، والثقافة الأميركية ما هي إلا مزيج من ثقافات عديدة اندمجت وانصهرت وتطورت وشكلت هذه الثقافة القوية التي غزت العالم. لنقل ان هناك تحديات تواجه الهوية لكن لا مخاطر حتى لا نخلق بيئة اجتماعية مناهضة للأجانب وطاردة للاستثمار، ما ينعم به الخليج هو الجانب المشرف لمعادلة «الانفتاح» .

وهي معادلة لها جانبها الآخر الذي له «ضريبته» والذي يتطلب التعامل معه بكل ثقة في أنفسنا وديننا وثقافتنا، لا خوف من رياح العولمة إذا عززنا مفهوم المواطنة الخليجية في إجراءات عملية يلمسها المواطن الخليجي عبر تفعيل «المبادرات» المقترحة وفي تصوري أن أهمها: تفعيل طاقات نصف المجتمع الخليجي المعطل ودمجه بكثافة في التنمية، وأيضاً: منح الخليجية نقل جنسيتها لزوجها «غير الخليجي» وأولادها تماماً كالمواطن.

كاتب قطري