خلال زيارته للعاصمة المصرية، وفى محاضرته بالجامعة الأميركية بالقاهرة أكد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر ما يبدو مؤكداً لكل ذي عينين من أن السياسة الأميركية منحازة لإسرائيل على حساب الفلسطينيين والعرب بصورة كاملة، وكشف ما هو مكشوف بوضوح لدى الشعوب العربية.
وبغير وضوح لبعض القيادات العربية المتعلقة بالحبال الواهية الأميركية بقوله لسائليه عن أسباب الموقف الأميركي الظالم تجاه الفلسطينيين: «الواقع في أميركا أن نحو 100% من السياسيين يؤيدون إسرائيل لأنهم لا يسمعون إلا وجهة نظر واحدة، ووجهة النظر العربية غير مطروحة في وسائل الإعلام، ولأن الحوار في القضية الفلسطينية من جوانبها المختلفة غير متاح في أميركا، مبديا دهشته من أن هذا لا يحدث حتى في إسرائيل!
وكسر كارتر الصمت الذي يلتحف به بعض المسؤولين العرب تجاه ما يجري في غزة، ونطق بما لا ينطقون به في العادة، حين وصف الوضع الإنساني للشعب الفلسطيني في غزة بسبب الحصار والهجمات الصهيونية شبه اليومية العسكرية ضد شعب أعزل بأنه «جريمة مروعة»، داعيا إلى تفاهم سريع يتيح فتح معبر رفح لتخفيف الكارثة الإنسانية التي قد تدفع الناس للموت من الجوع!
ورد على السؤال الصهيوني بشأن الصواريخ الفلسطينية، بأنه لا يريد أن يقارن بين عدد قتلى الصواريخ من الإسرائيليين الذين لم يتجاوزا 13 في سبع سنين بأكثر من 800 فلسطيني بطائرات الإف 16 والمروحيات العسكرية التي تقتل المدنيين، لكنه يعتبر أن أي قتل للمدنيين الأبرياء في الجانبين هو عمل من أعمال الإرهاب ينبغي أن يتوقف.
وخلال زياراته لرام الله والقاهرة ودمشق في طريقه إلى الرياض، كسر الرئيس الأميركي الأسبق بالحوار مع قادة حماس والقيادة السورية أحد المحرمات الكبرى في السياسة الأميركية الحالية، وفعل عكس ما تفعله الرئاسة الأميركية المنحازة لإسرائيل.
بل جاء موقفه بعكس موقف بعض الرؤساء العرب أنفسهم بعدم الحوار لا مع دمشق ولا مع حماس إلا بعد الإذعان لما تريده واشنطن وتل أبيب، متجاوزا كل العراقيل التي وضعت في طريقه إلى غزة أو إلى دمشق من جانب واشنطن وتل أبيب، مشددا على أن محاولة عزل دمشق أو حماس عن جهود السلام لا يحقق السلام. ما قاله كارتر في القاهرة وغيرها هو نفس ما قاله في أميركا في وجه الانتقادات الصهيونية ضده، وما هاجم فيه سياسة بوش في الشرق الأوسط هو أقل مما هاجمه به في أميركا.
ففي مقال له بصحيفة لوس أنجلوس تايمز بعد كتابه الأخير عن القضية الفلسطينية والفصل العنصري أكد كارتر أن «الامتناع الشديد عن انتقاد السياسة الإسرائيلية» في الولايات المتحدة يرجع إلى «النشاط الهائل للوبي المؤيد لإسرائيل وغياب أصوات معارضة فاعلة»، ملخصا الموضوع بالقول «إن قيام أعضاء في الكونغرس بالدفاع عن سياسة متوازنة بين إسرائيل وفلسطين أو بمطالبة إسرائيل بالالتزام بالقرارات الدولية والكلام عن حقوق الإنسان للفلسطينيين يعتبر بمثابة انتحار انتخابي أو سياسي بسبب الجو المعبأ لصالح إسرائيل».
وفى إدانة واضحة للأزمة الأخلاقية الأميركية التي أدت للتناقض السياسي وازدواج المعايير في مواقف إدارة بوش المحافظة تجاه العرب والمسلمين، اعتبر كارتر في كتابه تحت عنوان «قيمنا المهددة بالخطر.. أزمة الأخلاق الأميركية» أن إدارة بوش وراء انحطاط المعايير الأخلاقية التي تميزت بها السياسة الأميركية الخارجية على مدى عقود وأن أميركا تخسر الحرب على الإرهاب بسبب سياسات بوش، التي تشوه الدين والسياسة في آن معاً حين تسيء تفسير مبادئ الدين بانتهاج الأصولية المسيحية وحين تسيء إدارة السياسة باعتماد القوة العسكرية».
هكذا يكتسب كارتر المصداقية والاحترام من الجميع رغم الخلاف معه، لحرصه على محاولة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف منحازا فقط لما يرى أنه الحق، والصدق مع النفس ومع الغير، والشجاعة في القول والفعل، بمنطقه العاقل وبموقفه العادل وهدفه النبيل لصنع السلام.. العادل والشامل.
href="mailto:mamdoh77@hotmail.com">mamdoh77@hotmail.com