ما لا تدركه السلطة الفلسطينية في عاصمتها الضيقة رام الله أدركه سياسي غريب عن ثقافة المنطقة يدعى جيمي كارتر، الذي يعد من أبرز مجلس الحكماء الدوليين، بولوجه إلى قلب الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مباشرة من خلال خطوتين مفعمتين بالكثير من الدلالات الكبرى، الأولى عندما أصر، رغم جميع الضغوط، على إصدار كتابه الشهير «فلسطين.. السلام لا الفصل العنصري»، ذلك الكتاب الذي وضع العالم، من خلاله، أمام الجوهر الإنساني لما يجري على أرض فلسطين من فظاعات وجرائم عنصرية يرتكبها أحد أعتى جيوش العالم وأشدها بأسا ووحشية ضد شعب أعزل لا حول له ولا قوة إلا بالصمود والتضحية.
أما الخطوة الثانية التي قام بها هذا السياسي المخضرم، والتي تعكس خطأ سياسة الاستبعاد والتهميش المتبعة من قبل واشنطن وتل أبيب ضد قوى سياسية فلسطينية حقيقية، فلقد تجلت بكسر الحصار الذي يحاول تحالف واشنطن ـ تل أبيب ـ رام الله فرضه على حركة حماس وممثليها في الحكومة والمجلس التشريعي الفلسطينيين المنتخبين بصورة ديمقراطية لا غبار عليها باعتراف الجميع.
وذلك من خلال اللقاءين اللذين جمعاه بقياديين من الحركة في القاهرة وبرئيس مكتبها السياسي خالد مشعل في دمشق متوجا كل هذا التحرك السياسي المحمود بلقاء آخر جمعه مع أحد حلفاء الحركة الرئيسيين ممثلا بالرئيس السوري بشار الأسد الذي تتعرض بلاده للهجمة الصهيو ـ أميركية عينها جراء موقفها المعروف من الصراع العربي ـ الإسرائيلي فضلا عن التحالف المتين الذي يجمعها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما يترتب على ذلك من تداعيات على جميع الملفات السياسية المتبقية العالقة في المنطقة وفي مقدمتها الملفين العراقي واللبناني.
من المؤكد أن علائم البهجة كانت قد ارتسمت على وجوه رموز السلطة في رام الله والكثير من العواصم العربية إن لم يكن كلها عند صدور ذلك الكتاب ولا شك بأن الكثيرين، إن لم نقل الجميع، اعتبروه اختراقاً إستراتيجياً في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لصالح القضية الفلسطينية وخطوة مهمة على طريق الحل، لكن إذا كان هذا هو موقفهم من طروحات هذا السياسي الأميركي الكبير، فلماذا لا يتخذون الموقف ذاته من تحركه الأخير اتجاه أشقائهم في حركة حماس؟
لماذا لا يبتهجون حيال جهد ما كان الرجل ليكلف نفسه عناء بذله لولا إدراكه لأهمية إشراك جميع القوى المعنية الفاعلة في حل مشكلات المنطقة؟
وذلك وفق معادلة بسيطة تقول بأنه إذا أردت وضع إصبعك على الجرح والمضي قدما في محاولة فتح آفاق جديدة في المنطقة فإن أول ما عليك تجنبه هو تجاهل أطراف لها وزن لا يستهان به على الإطلاق في أي مشروع حل أو تسوية للصراع العربي ـ الصهيوني طويل الأجل. لماذا لا يعاملون رفاق الكفاح وإخوة السلاح بمثل ما يعاملون أعداء الأمس واليوم وخصوم المستقبل؟ لماذا لا يساوون بين عدو ينتهك حرمات شعبهم ليل نهار وبين إخوة لهم هم ضحية تلك الانتهاكات التي فاقت جميع التصورات؟ ثم ألم تحن لحظة الحقيقة بعد؟
تلك الحقيقة القائلة بأن محور كل ما يجري على الأرض وجوهره هو الإنسان وليس غيره وأن الهدف الأسمى يكمن في تجنيبه كل هذا الكم الهائل من المعاناة التي لا طاقة لأحد على احتمالها عندما يتعلق الأمر بحرمانه من حقه في مجرد البقاء على قيد الحياة عدا عن التجويع والتشريد والقتل والقهر وسلب الحريات والحرمان من أبسط الحقوق.
لماذا يتجاهلون أي مبادرة تحاول حلحلة الأزمة الفلسطينية الداخلية؟ ألم تلوح في الأفق العديد من بوادر الخروج من هذا النفق حالك الظلمة؟ كم عدد المبادرات الفلسطينية أو العربية أو الدولية التي طرحت في هذا الاتجاه؟
لماذا لم تأخذ المقاطعة في رام الله كل تلك التحركات الحميدة على محمل الجد؟ ما الذي حل بسلسلة المبادرات التي حاول أصحابها عبرها إخراج الفلسطينيين من نفقهم المظلم، بدءا بالمبادرة السورية، مرورا بمبادرة الجبهة الشعبية، التي طرحت في بداية الأزمة،وغيرها من مبادرات فصائل العمل الوطني على الساحة الفلسطينية واتفاق مكة وليس انتهاء بالمبادرة اليمنية. وبالتالي أليس من حقنا التساؤل حول المشروع السياسي الحقيقي الذي يحكم توجهاتها وتحركاتها؟
عند هذا المنعطف الحساس أليس من الطبيعي التساؤل حول ما آلت إليه حالة الصراع التقليدية المحتدمة في المنطقة بين العرب والدولة العبرية والتي لم تعد تتعلق بالمفردات التقليدية التي اعتدنا على التعامل معها في هذا الإطار.
بل تعدت ذلك لتطال كافة مناحي الحياة السياسية للشعوب العربية عموما والشعب الفلسطيني على وجه الخصوص إثر مجموعة من الاختراقات في الصف العربي تمكن التحالف الصهيو ـ أميركي من تحقيقها عبر استقطاب مجموعة من القوى والشخصيات العربية إلى صفه في ميادين عديدة، الأمر الذي أخذ يدخل إلى المنطقة طيف جديد من الصراعات الجانبية التي بدأت تحرق الأخضر واليابس بالفعل، في حين يبقى جوهر الصراع بمنأى عن أية معالجات جدية إلى أجل غير مسمى.