شهد الأسبوع الماضي زخماً وتصعيداً غير مسبوق في طرح ومناقشة قضيتي التركيبة السكانية والهوية الوطنية. بدأ هذا التصعيد بلقاء صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بلجنة التركيبة السكانية وإطلاعه على سير عملها، وتواصل مع انعقاد ملتقى الهوية الوطنية الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في أبوظبي يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين، بمشاركة عدد كبير من الوزراء والمسؤولين والمهتمين بهذا الشأن من كافة قطاعات المجتمع بأطيافه المتعددة.

اللافت في هذا التصعيد منذ بدايته أن صاحب السمو نائب رئيس الدولة قد وضع النقاط على الحروف عندما قال إن مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطة ارتباطاً جذرياً ومصيرياً مع قضية التركيبة السكانية التي لا بد أن تتضافر كل الجهود والعمل كفريق واحد وتحديد الرؤية من أجل إيجاد آليات عملية يمكن من خلالها التوصل إلى تصور مقبول وواضح لهذه المسألة التي تحدد بالنهاية مستقبل أجيالنا القادمة.

هذا الربط من قبل صاحب السمو نائب رئيس الدولة بين التركيبة السكانية والهوية الوطنية يختصر علينا الكثير من الوقت والجهد، ويجعلنا نبحث عن الحلول الجذرية والعملية لضياع هويتنا وسط هذه التركيبة المختلة، ويرفع عنا جميعاً حرج الخوض في هذه القضية التي يسود اعتقادٌ أنها خط أحمر يجب عدم الاقتراب منه، الأمر الذي انعكس مباشرة على ملتقى الهوية الوطنية، وتمثل في ارتفاع وتيرة الشفافية التي تناول بها بعض المتحدثين والمتداخلين في الملتقى هذه القضية، فجاء الطرح صريحاً ومعبراً عن آراء المواطنين الذين تنبض قلوبهم بحب الوطن.

في الوقت الذي تضطرب فيه نبضات هذه القلوب خوفاً على مستقبل الأجيال القادمة إذا ما استمر نزيف الهوية الوطنية وتفاقمت أزمة التركيبة السكانية، ولم يجدا من يوقفهما ليعيد موازنة كفتي الميزان الذي اختل كثيراً ومال إلى جهة تغييب الهوية وضياع الوطن بشكل كارثي يدعو إلى وقفة حازمة توقف هذا السيل الذي يهدد بالقضاء على ما تبقى من هويتنا لو استمر بهذه الوتيرة ولم يجد من يغير مساره، أو يخفف من قوة اندفاعه على الأقل إلى أن نتمكن من إيقافه تماماً.

لقد ظلت قضية التركيبة السكانية والهوية الوطنية على مدى أكثر من عقدين من الزمان مجالاً لدراسات اللجان والجهات المختصة، كان آخرها التقرير الذي قدمه رئيس لجنة التركيبة السكانية الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان وزير الداخلية لصاحب السمو نائب رئيس الدولة، والدراسة العلمية الخاصة بالهوية الوطنية وسبل ترسيخها في أوساط مجتمع الإمارات التي أعدتها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالتعاون مع شباب الجامعات الوطنية وشركة استشارية عالمية متخصصة.

بهذا نعتقد أننا استنفدنا كل جهود البحث والاستقصاء والدراسة، وتجاوزنا مرحلة التشخيص، وأن علينا أن نبدأ فوراً العلاج الذي تأخر كثيراً، لأن المريض القابع في غرفة الإنعاش بعد أن خضع لكل هذه الفحوصات لا يحتمل المزيد من مداولات الأطباء الذين أجمعوا على سبب اعتلال صحته وتطابقت وجهات نظرهم حيال طرق العلاج، ولم يبق سوى أن يبدأ مبضع الجراح عمله.

أسباب الخلل في التركيبة السكانية كما تحدث عنها الجميع واضحة وضوح الشمس، يعود جزء منها إلى بعض السياسات الاقتصادية التي يجب إعادة النظر فيها لتصحيح مسارها.

ويعود بعضها إلى مجموعة من الممارسات الضارة التي يتحمل مسؤوليتها بعض المواطنين الذي غلّبوا مصالحهم الذاتية على مصلحة الوطن العليا في غمرة اندفاعهم لزيادة دخولهم مع الطفرة المادية التي شهدتها الدولة منذ قيامها، هذه الممارسات التي غمرت الوطن بأعداد فائضة من العمالة أخلت بالتركيبة السكانية للدولة، وجاءت معالجتها متأخرة لكنها لم تحل المشكلة بعد أن اتسعت منافذ الخلل وتشعبت الأسباب، ولم يعد المتاجرون بالتأشيرات هم السبب الوحيد للمشكلة التي غدت همًّا يؤرق الجميع؛ مسؤولين ومواطنين عاديين على حد سواء.

وإزاء هذا الخلل الذي وجدنا أنفسنا نواجهه جاء تغييب الهوية الوطنية وانحسارها عن وجه مجتمعنا كنتيجة طبيعية كان يجب أن نتوقعها لو أننا درسنا واستفدنا من تجارب الدول والشعوب التي مرت بالظروف نفسها التي نمر بها نحن الآن، حتى تحللت هويتها وذابت هي نفسها وسط طوفان الهجرات المتتابعة التي توالت عليها حتى لم يعد لهذه الشعوب وهويتها وجود ولا أثر.

لقد ساهم في ضياع ملامح هويتنا مجموعة من السياسات والممارسات في مجالات حيوية لها دور فاعل في ترسيخ الهوية الوطنية لأي شعب على وجه الأرض، يأتي على قمة هذه السياسات والممارسات مناهج التعليم التي لم تعط موضوع الهوية الوطنية الاهتمام الذي يستحقه واستهانت به لصالح مواد أخرى لا تقل أهمية عنه، ثم وسائل الإعلام التي ابتعدت كثيراً عن هويتنا الوطنية وانساقت خلف فضائيات تجارية لا تحمل أي رسالة وطنية، ولا تهتم بالقيم الأخلاقية.

ولا يحركها سوى عامل الربح والخسارة الذي يجب أن لا تخضع له محطاتنا الوطنية. كما ساهم في ذلك أيضاً اندفاعنا غير المحسوب نحو محاكاة الغرب، معتقدين أن أول أسباب التقدم هو التخلي عن لغتنا وهويتنا، فارضين هذا التوجه على سوق العمل الحكومي والخاص لدينا، الأمر الذي نتج عنه اندفاع الكثير من المواطنين إلى تغيير ملامح أبنائهم وطرق عيشهم وألسنتهم كي يضمنوا لهم مكاناً في سوق العمل بعد أن فرض منطق السوق نفسه.

فعلنا كل هذا متناسين أن التطور لا يتقاطع مع الأصالة، وأن المحافظة على الهوية لا تمنع إحراز مراكز متقدمة في كل مجال، ولم نفعل مثلما فعلت شعوب كثيرة أصبحت اليوم تحتل الصدارة في مجالات العلوم والصناعة والاقتصاد والفنون وغيرها دون أن تتخلى عن هويتها.

لذلك نقول إن كل التقارير والتوصيات التي توصلت إليها اللجان والملتقيات يجب ألا تتحول إلى ملفات تضاف إلى تلك التي سبقتها إلى الحفظ في الأدراج، أما تلك الصرخات المخلصة التي ترددت أصداؤها خارج قاعة ملتقى الهوية الوطنية بعد أن أحدثت زلزالاً داخل القاعة، فيجب ألا تذهب أدراج الرياح وتتلاشى وسط الغبار والدخان اللذين يغطيان سماء الوطن ويحجبان عنا الرؤية، فلا نكاد نرى أبعد مما هو تحت أقدامنا، تاركين القادم للظروف التي لن ترأف بنا إن لم نتدارك أنفسنا قبل أن تدركنا السنون والأيام ونحن نيام.

كاتب إماراتي

aliobaid4000@yahoo.com