في كل مرّة تأتي فيها الوزيرة رايس إلى المنطقة، تحمل معها رزمة طلبات من العرب. وفي كل مرّة لا تعطي بالمقابل، أكثر من حزمة وعود. وطلباتها لها طابع العجلة؛ الممزوجة بمعجون الضغوط المبطّنة. وفي أحسن الأحوال، بالعتب ومحاولة وضع الكرة في ملعبهم. والأنكى من ذلك، أنه في أحيان كثيرة يكون ما تطلبه؛ له علاقة بأزمة أو بورطة؛ من صنع يديها. أو يكون - وبالذات في القضية الفلسطينية - من نوع العطاءات المجانية المطلوبة منهم، لإسرائيل.

وزيارتها اليوم، للمشاركة في مؤتمر الجوار العراقي، في الكويت، لا تشذّ عن هذه القاعدة. فقبل وصولها تعمّدت بعث رسائلها، في هذا الاتجاه؛ وبما يفيد بأن إدارة الرئيس بوش، غير راضية، بل مستاءة، من العرب. «في لحظة ما على الدول العربية، أن تقول نعم؛ في ردّها على سؤال»، كما قالت: وهي في طريقها إلى المنطقة.

الموضوع: العراق ومطالبة هذه الدول بفتح سفاراتها في بغداد. فاليوم، تضيف، «لم يعد لديهم سوى القليل من الذرائع، لعدم الإقدام على منح العراق دعمهم الدبلوماسي والاقتصادي». فهي ترى أن الأوضاع الأمنية باتت أفضل بكثير من السابق؛ وأن خطوات كثيرة تحققت في مسيرة العملية السياسية؛ وبالتالي لم يعد هناك ما يبرر التأخير.

لعلّ الوزيرة تعرف تماماً أن عدداً من الدبلوماسيين العرب، جرى اغتيالهم في بغداد. ولا شك أنها تعرف بأن المسألة ليست سوى مسألة وقت، قبل عودة الطواقم الدبلوماسية العربية إلى العاصمة العراقية. ثم أنها بالتأكيد تدرك بأن الإسراع بمثل هذه العودة لا تأثير له، مباشر أو غير مباشر، على مجرى التطورات الجارية والمتصاعدة هناك. المفاتيح موجودة في أمكنة أخرى. أحدها يكمن في سير العملية السياسية، التي لا تزال مرهونة وإلى حدّ بعيد بتحقيق المصالحة الوطنية.

طبعاً العرب مطالبون، من أنفسهم، بالعمل على تقديم كل ما يمكن من دعم للعراق؛ في سبيل مساعدته على النهوض. أو في أقلّه، على الخروج السريع من نفق محنته. ليس فقط من باب الواجب. هو أيضاً من باب المصلحة العربية العليا. لكن محاولة تصوير الأمر وكأنه متوقف على إعادة فتح البعثات الدبلوماسية العربية في بغداد؛ ينطوي على مبالغة. بل على لي عنق الحقيقة؛ إذا لم نقل لذر الرماد في العيون.

مطالبة العرب بأن يبادروا دائماً بالتقديمات، عادة أميركية مزمنة. وباستمرار لائحة طلبات واشنطن، لا نهاية لها. على طول تشمل بنوداً جديدة؛ لها ولإسرائيل، معاً. ثم إنها ما كانت مرّة على خطين. ما ترغب به، تريده بالكامل وعلى عجل؛ من دون، ولو شيء من المقايضة. وإذا طالبها العرب، بالمقابل؛ لا تسمع. وإذا سمعت تتجاهل، أو تماطل. وبالنهاية تتهرب ولا تلبّي.

وحتى النصيحة من المنطقة، لا تأخذ بها. وعندما تقع في الورطة، نتيجة المكابرة وعدم العمل بالنصيحة، تعود وتطالب أصحابها بدور تعويمي. فالمسألة بالنسبة لواشنطن ليست دعم العراق. المسألة أنها تحاول رمي الملامة على الغير. وهذه لغة قديمة، لا جديد فيها.