اثبت الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر انه اكثر شجاعة وجرأة من الكثير من الزعماء العرب، عندما أدان الحصار الاسرائيلي التجويعي المفروض على الاراضي الفلسطينية المحتلة، وقطاع غزة على وجه الخصوص، واعتبره جريمة في حق الانسانية، واصر على اللقاء مع قادة حركة المقاومة الاسلامية حماس داخل الاراضي المحتلة وخارجها في تحد واضح للادارة الاميركية واسرائيل اللتين اعترضتا على مبادرته هذه.

الحكومة الاسرائيلية اعطت جولة كارتر زخما كبيرا، ووفرت له الدعاية التي لم يكن يحلم بها عندما قرر رئيسها ايهود اولمرت مقاطعته، وعدم توفير الحماية الامنية له، ومنعه من دخول قطاع غزة للقاء قادة حماس ، الامر الذي اضطره للقائهم في مصر.

اولمرت الذي صوت ضد كل اتفاقات السلام في الكنيست، سواء اتفاقات كامب ديفيد او اتفاقات اوسلو لم يجد الوقت الكافي، حسب قول المتحدث باسمه، للقاء الرئيس الاميركي الذي قدم اكبر خدمة لاسرائيل باحتضانه اتفاقات كامب ديفيد التي حققت اول سلام بين الدولة العبرية والدولة العربية الاكبر مصر.

الرئيس كارتر سخّر كل اعوامه الاخيرة من اجل القضايا الانسانية، واشرف على العديد من الانتخابات كمراقب في خطوة تشجيعية من جانبه لنشر الديمقراطية في العالم الثالث، واعطى شهادة غير مسبوقة تؤكد نزاهة الانتخابات الفلسطينية وحريتها، وهي الانتخابات التي فازت فيها حركة حماس باغلبية المقاعد في المجلس التشريعي.

صحيح ان الرئيس كارتر لم يعد في الحكم، ولا في اي من مؤسساته، ولكنه ما زال يتمتع بثقل سياسي ومعنوي كبير، وعندما يلتقي قادة حماس كاسرا بذلك الحصار السياسي المفروض عليهم اميركيا واوروبيا، فانه يقدم دعما معنويا كبيرا للحركة، يضفي عليها شرعية سياسية كحركة تحرير وطني، وليس كمنظمة ارهابية، مثلما تصورها الحكومة الاسرائيلية وبعض الحكومات الغربية المنحازة لها.

والاهم من ذلك ان الاعتراف بحركة حماس على هذا المستوى الرفيع، ومن قبل رئيس اميركي سابق يؤكد ان السلطة الفلسطينية في رام الله ليست الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وان هناك ممثلين آخرين يتمتعون بشرعية انتخابية، ويملكون ثقلا كبيرا على الارض.

ومن المفارقة ان هناك تشابها كبيرا بين الطريقة التي تم من خلالها الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كحركة سياسية ونزع صفة الارهاب عنها والتدرج الحالي في الاعتراف بحركة حماس من خلال اللقاء بقياداتها في الداخل والخارج.

فالاعتراف بمنظمة التحرير بدأ من خلال استقبال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لمسؤولين اوروبيين واميركيين سابقين، مثل القس جيسي جاكسون، ثم تطور الامر الى استقباله وفودا برلمانية اوروبية تمثل احزاب المعارضة، ثم تطور الامر الى لقاء وزراء وسفراء من مختلف انحاء اوروبا والعالم، ودعوته الى القاء خطابه الشهير امام الجمعية العامة للامم المتحدة.

الرئيس كارتر بدأ رحلة الالف ميل للاعتراف بحركة حماس من خلال خطوته الحالية بلقاء قيادتها في دمشق، والسيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي على وجه الخصوص.

ومن المؤكد ان هذه الخطوة ستشجع مسؤولين وشخصيات اوروبية واميركية لشد الرحال الى دمشق وغزة لفعل الشيء نفسه في المستقبل القريب.

كارتر الذي ألف كتابا حقق نجاحا عالميا وشبه الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية بممارسات النظام العنصري السابق في جنوب افريقيا، وكسر الجليد بلقائه قادة حماس يستحق التكريم من الشعب الفلسطيني لما يتسم به من شجاعة وانسانية والوقوف الى جانب الحق.