إذا كان الفلسطينيون والإسرائيليون جادين بالفعل في التوصل إلى هدنة متبادلة‏,‏ تفضي إلى مفاوضات جادة لاستئناف مسيرة السلام والتوصل إلى تسوية تضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة‏,‏ فلابد من الخروج من الدائرة المفرغة للعدوان والعنف والعنف المضاد‏,‏ التي يغرق فيها الطرفان الآن‏,‏ لإتاحة الفرصة أمام الجهود المكثفة المبذولة حاليا لتحقيق الهدنة ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني‏.‏

فقد شهدت الأيام الأخيرة جهودا مكثفة في هذا المجال‏,‏ ففي واشنطن أكد السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية للإدارة الأميركية أن مصر تريد أن ترى نتائج وصياغات لاتفاق فلسطيني ـ إسرائيلي بشكل عاجل‏,‏ معربا عن أمله في أن تتحرك واشنطن بإيقاع سريع لدفع عملية السلام قدما‏,‏ وأبلغ كوندوليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة قلق مصر من أنه ـ وحتى الآن ـ لم يتحقق شيء على الساحة‏,‏ برغم تأكيدات من الجانب الفلسطيني والإسرائيلي والأميركي بوجود أفكار محددة يجري التباحث بشأنها‏.‏

وفي القاهرة‏..‏ أجري المسئولون المصريون مباحثات مهمة مع وفد من حركة حماس برئاسة الدكتور محمود الزهار وزير الخارجية الفلسطيني الأسبق‏,‏ الذي أعرب عن شكر حماس لمصر لجهودها الثابتة في تخفيف المعاناة عن الشعب الفلسطيني‏,‏ وتحقيق تهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي‏,‏ ووقف كل أشكال العدوان على الشعب الفلسطيني‏,‏ ورفع الحصار المضروب عليه‏,‏ موضحا أنه تم قطع شوط كبير للوصول إلى تهدئة متبادلة ومتزامنة شاملة وفورية‏,‏ تقضي بوقف إطلاق الصواريخ على الجانب الإسرائيلي‏,‏ مقابل وقف كل أشكال الاعتداءات الإسرائيلية ورفع الحصار وفتح كل المعابر‏.‏

ولم تتوقف جهود مصر عند هذا الحد‏,‏ بل وصلت إلى تنظيم لقاء بين وفد حماس و الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر‏,‏ الذي يحاول المساعدة في استئناف عملية السلام في المنطقة‏,‏ وطار بعدها كارتر إلى دمشق ليعقد أكثر من اجتماع مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس‏,‏ ويطرح أفكارا متعددة لتحقيق التهدئة‏.‏

وفي خضم كل هذه الجهود‏..‏ يصر الجانبان الإسرائيلي والفلسطيني على الاستمرار في دائرة العنف المغلقة‏,‏ فالقوات الإسرائيلية الخاصة تقتحم مخيم بلاطة للاجئين بمدينة نابلس بشمال الضفة الغربية وتتوغل داخله‏,‏ وتغتال الفلسطيني هاني الكعبي قائد كتائب شهداء الأقصي ـ التابعة لفتح ـ في الوقت الذي تم فيه اعتقال الشاب تامر أبوليل القائد الميداني للجهاد‏,‏ بينما تنشر وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية إعلانا عن عطاءين لإقامة‏100‏ وحدة سكنية في مستوطنتين‏.‏

وترد حماس أمس بهجوم فدائي نفذ بواسطة سيارة مفخخة في جنوب قطاع غزة عند معبر كرم أبوسالم الفاصل بين القطاع وإسرائيل‏,‏ يؤدي إلى جرح عدة جنود إسرائيليين‏,‏ وإلي مصرع ثلاثة فلسطينيين‏.‏

وبالطبع لن تسكت إسرائيل على هذه العملية‏,‏ وستعود لتنتقم بالاقتحامات والاغتيالات وتشديد الحصار‏,‏ وسترد حماس بالصواريخ والعمليات الفدائية‏,‏ وسنظل ندور في حلقة مفرغة تنسف جهود التهدئة‏,‏ وتصعب إمكانية الدخول في مفاوضات جادة تفضي إلى اتفاق على الوضع النهائي بما يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة‏,‏ والأهم من كل ذلك‏,‏ أن معاناة الشعب الفلسطيني من الحصار والعدوان ستستمر‏.‏

إن الخروج من هذه الحلقة الجهنمية وضبط النفس‏..‏ أصبح أمرا ملحا لدى الطرفين‏,‏ مع ضرورة تحرك الأطراف الدولية المعنية بعملية السلام في الشرق الأوسط‏,‏ للضغط على إسرائيل ومساندة الجهود المصرية‏,‏ حتى لا ينفجر الوضع في وجه الجميع‏.‏