كارتر في المنطقة، قد لا يكون في وظيفة رئيس الدولة العظمى، وحتى لو عومل "بروتوكولياً" بنفس مراسم الرؤساء فهو شخصية مهمة، وخاصة في المسائل السياسية في المنطقة، والتي شهدت في مرحلة رئاسته، أهم توقيع ميثاق سلام بين مصر وإسرائيل، لتلحقها الأردن وبعض الدول الأخرى.
هذا الزائر هو من خدم السلام، وإسرائيل تحديداً، وحتى ما قيل عن ضعف إدارته أثناء رئاسته،إلا أن ما حققه كان إنجازاً كبيراً لبلده، ولإسرائيل، وحتى للمنطقة، لو أن المشوار الذي بدأه تحقق على مستويات أخرى، لا تزال بؤر صراع قائمة قد تدفع إلى حروب صغيرة، أو حتى كبيرة.
رئاسة البيت الأبيض، وإسرائيل التي استقبلت كارتر ببرود، ليستا راضيتين عن هذه الزيارة، وخاصة الاجتماع إلى القيادة السورية، وحماس، لكن الواقعية السياسية تفترض ذلك، إذ أن حماس هي في قلب المعركة مع إسرائيل، وحتى لو جاء كارتر من أجل التهدئة، والتفاوض حول الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حماس.
فهناك تفاوض من أجل أمور أكثر حساسية ودقة، إذ ليس منطقياً مقاطعة منظمة مؤثرة في مسيرة الصراع، وجناح مهم في القضية الفلسطينية، أن تُعزل أو تنفى وقطع أي حوار مستجد، أو مستمر معها، لكن هل ما يقوم به الرئيس كارتر يصب في مصلحة أميركا التي اتسع العداء لها بسبب إسرائيل ثم غزو العراق؟ وهل ترفض حواراً مجدياً يفضي إلى حلول إيجابية يقوم بها شخص مقبول من كل الأطراف وعلى اتصال دائم بما يجري بالمنطقة من تفاعلات حادة؟
قطعاً لا.. لأن الرئيس بوش هو الذي فتح حواراً مع إيران، بدون تحفظ، ولا تزال هناك اتصالات سرية، بدون وسطاء تجري معها، وقد سبق أن قام بنشاط مماثل مع كوريا الشمالية، ومع سورية بزيارات لأعضاء في الكونغرس، أو تمرير بعض الرسائل بين إسرائيل ودمشق بوسيط تركي، وهذا لا يغير من المعادلات، لأنه في السياسة لا توجد محرّمات أو موانع إذا جاءت النتائج محققة للمصالح أياً كان نوعها وأهدافها..
صحيح أن كارتر كشف حقائق عن إسرائيل نقد فيها التصرف اللامنطقي مع الفلسطينيين، وإذا كان توجيه النقد من شخصية مرموقة ومؤثرة حتى خارج كرسي الرئاسة، فهو لم يتجنّ وإنما تحدث عن صورة لم تعد خافية عن الرأي العام الأميركي، والعالمي، وهو لا يختلف في رؤيته السياسية التي نشرها بكتاب أثار الجدل في إسرائيل، عن منتقديها من داخل حرمها المقدس، أي أن العالم لم يعد يُختزل في وجهة نظر واحدة، أو رؤية أحادية الجانب، إذا كان العالم كله أمام آلة تصوير دائمة تعكس كل شيء فيه..
الرئيس الأميركي السابق، دعونا نفترض أنه مجتهد يريد استطلاع آراء المعنيين بحل مشكلات المنطقة من خلال تقريب الأفكار والطروحات، ودعونا نحسن النوايا بأنه يريد تقديم مسودة اتفاق على نقاط عديدة للرئيس الأميركي القادم، وأيضاً لنقرّ أن الرجل ليست لديه فوائض عواطف مع أحد، ولكنه مع قراءة واقع معقد يحتاج إلى جهد دبلوماسي، لا التلويح بالحروب أو التهديدات الأخرى، مثل الحصار أو تقسيم الدول وفق رؤية محددة..
وإذا افترضنا ذلك فكارتر قد يؤدي الدور الإيجابي المطلوب، وفي حال نجح فهو يستعيد بريقه الشخصي، وفيما لو فشلت مساعيه، فهو ليس شخصية رسمية مطالبةً بالنجاح واتخاذ قرارات صعبة بمستوى ما تأخذه أو تعطيه الدول ذات القوة الكبرى..
