لماذا عجزت الطبقة السياسية اللبنانية عن انتخاب رئيس للجمهورية رغم اتفاقها على شخص العماد ميشال سليمان؟ ولماذا يهرول القادة السياسيون اللبنانيون إلى العواصم العربية والأوروبية بحثا عن مخرج لأزمة الرئاسة؟
أسئلة محيرة عجز الجميع عن الإجابة عنها، حتى قال أمين عام الجامعة العربية بأن الأزمة في مقدرة الزعماء السياسيين في لبنان حلها في جلسة واحدة لأنهم متفقون أصلا على اسم ميشال سليمان.
ولكن الظاهر أن الأزمة لم تعد محصورة حول الرئاسة بل تتعداها إلى حسابات أخرى تتعلق بمصالح كل كتلة وموقعها في الخارطة السياسية مستقلا، ويعني ذلك فيما يعنيه، أن الطبقة السياسية اللبنانية تتصرف مع الأزمة من منطلق حزبي وطائفي ضيق وليس من منطلق وطني وهذا يعد مؤشرا خطيرا على أن الوضع السياسي سائر إلى انزلاقات قد تودي بلبنان إلى حافة الهاوية، ألم يقل الجنرال ميشال عون إن لبنان يعيش نفس الأجواء التي سبقت الحرب الأهلية؟
وما هو غير منطقي أن يبحث الفرقاء السياسيون عن مخرج لأزمتهم الداخلية في العواصم العربية والأوروبية وكأنهم يسعون جاهدين إلى تأزيم الوضع.. فهل يعقل أن تساهم عواصم عربية أو أوروبية في حل موضوع يخص اللبنانيين وحدهم ولا دخل لعربي أو أوروبي فيه من بعيد أو قريب!! الظاهر أن الطبقة اللبنانية لا تعرف كيف تمارس السياسة إلا في جو التوترات وتنفيذ المؤامرات الداخلية وأي زعيم سياسي يريد أن يمارس سلطته من قناعات طائفية وليس وطنية وهي ذات القناعات التي كانت أوقعت لبنان في حرب أكلت الأخضر واليابس.
ومن يستمع إلى تصريحات زعماء الحرب السابقين يستشف مدى رغبة هؤلاء وتعطشهم إلى الأيام الخوالي وكأني بكل واحد منهم ضاغط على الزناد وينتظر الفرصة للانقضاض على الآخر، وها نحن نشتم من تصريحات هؤلاء أيضا رغبتهم الجامحة في ارتداء البزة العسكرية واللجوء إلى مخابئ سرية يصدرون منها بيانات الحرب.
لقد أصبح لبنان حالة استثنائية في عالم الدول بدون رئيس يمثله ولكن برؤساء كل واحد منهم متشبث برأيه وكأن لبنان ملكية خاصة، والمشكلة الأساسية لم تعد في الرئاسة بقدر ما تتمثل في ممثلي الأحزاب السياسية خاصة من منهم من كانت له يد في الحرب الأهلية، فهؤلاء لا يعقل أن يمارسوا السياسة من منطلق وطني ونزيه لأنهم يحملون معهم دفاتر سوداء من الماضي، ومن كان يرفض السلم لا يمكن له أن يصنع السلم، واللبنانيون لم يفهموا بعد أن أمراء الحرب السابقة يتسابقون إلى إشعالها اليوم، فقد كان من الأنسب على اللبنانيين أن يرموا بهؤلاء إلى هامش التاريخ ويلتفتون إلى زعماء شباب عانوا من ويلات الحروب ويتمتعون بالوطنية المخلصة.
فهذه أفغانستان البلد المحتل فهم اللعبة بمجرد أن وضعت الحرب أوزارها فرمى بمن رمى ممن ساهم في إشعال الحرب الأهلية، فالفرق شاسع بين من يحمل ذرة من الوطنية ومن يحمل خنجرا يريد أن يغرسه في وطنه، بدليل أن أمين عام الجامعة العربية عقد لقاءات ماراثونية بين جميع الفرقاء السياسيين من دون أن يتوصل إلى النتيجة، وفي الأخير مسح العرق من على جبينه وعاد إلى مكتبه خائبا لأنه ببساطة كان يتعامل مع أمراء لا يفقهون السياسة وزعماء متمرسون في هندسة الدسائس واقتسام الغنائم لا غير.
لقد تحول لبنان إلى بلد التناقضات السياسية ولم يعد الحل بيد الزعماء السياسيين ولا المجتمع الدولي وإنما بيد أبنائه لا غير، فالمجتمع المدني عليه أن يقول لهؤلاء وصراحة إما تتصالحون وتتفقون وتضعون مستقبل لبنان أولا في أجندتكم وإما يتحمل المجتمع المسؤولية.
فلبنان ملك للجميع لجميع أبنائه وجميع أطيافه عندها وعندها فقط سوف يضطر هؤلاء للرضوخ إلى إرادة الشعب ورغبته في الاستقرار.
العديد من دول أوروبا الشرقية السابقة حصلت فيها ثورات سلمية برتقالية وبنفسجية وبيضاء لأن شعوبها خافت على مستقبلها فلفظت بأي مسؤول أراد أن يقف ضد مصلحة الشعب وهذا ما يتوجب على اللبنانيين تقريره وهو تقرير مستقبلهم بأيديهم لا بأياد أجنبية، فهل يحدث اللبنانيون المعجزة وينصبون رئيسهم قبل أن يسقط لبنان قي الهاوية.
كاتب ومحلل سياسي جزائري