في العدد الأخير من مجلة «وجهات نظر» المصرية «أبريل 2008» مقال مثير كتبه الكاتب والناقد اللبناني جهاد فاضل بعنوان «احتضار الفكر العربي». والمقال كله يتكلم عن الحالة السيئة التي وصل إليها الفكر العربي في مختلف الميادين: الأدب، الشعر، الفلسفة، الفكر السياسي، البحوث الاجتماعية..الخ.
ومن ثم تساءل الكاتب عما إذا كان الفكر العربي في «حالة احتضار» وقد كتبت في هذه الجريدة «البيان» مقالاً في الأسبوع الماضي، أيدت فيه كثيراً مما جاء في مقال جهاد فاضل، ولكني زعمت أيضاً أن المحنة التي يمر بها الفكر العربي، منذ نصف قرن على الأقل، ليست محنة خاصة بالفكر العربي بل هي محنة عامة، في الفكر الإنساني في كل مكان، وأعطيت بعض الأمثلة للتدليل على ذلك ولكني لم أجب بعد عن السؤال.
ما سبب هذه المحنة؟
ـ أعتقد أن هناك أكثر من سبب، ولكن الأسباب جميعاً لابد أن يكون لها أصل مشترك، إذ يصعب أن نتصور أن تجتمع كل هذه الأسباب بمحض الصدفة.
العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية ليس مثلما كان قبلها، وكأن الإنسانية قد بدأت فصلاً جديداً من تاريخها، فيه للأسف الكثير مما يدعو للقلق، والكثير مما يزلزل أركان الفكر بمختلف أنواعه، ومن المهم أن نحدد ما هو الجديد في هذا العصر، والذي يمكن أن يكون أثره على الفكر سلبياً وداعياً للقلق، ثم نحاول أن نكتشف ما بين هذه الظواهر الحديثة من علاقات لنكتشف ما هو أصلي منها وما هو فرعي، حتى يمكن أن نضع يدنا على السبب الأساسي للعلة، أو التشخيص الصحيح للمرض.
لقد شهدت هذه الستون عاماً الأخيرة، تطورات سريعة جداً في التكنولوجيا، خاصة في تكنولوجيا الاتصال وتخزين ونقل المعلومات، وأيضاً في إنتاج مختلف السلع والخدمات ونقلها من مكان لآخر.
في بداية الستينات كثر الكلام عن الشركات متعددة الجنسيات، وهي شركات تمارس نشاطها على نطاق واسع يشمل أحياناً معظم أجزاء الكرة الأرضية، وتقفز فوق حدود الدول، وتفوق قدراتها الإنتاجية قدرات بعض الدول، ومن ثم فهي أيضاً قادرة على تحدي سلطة الدولة بل وتغيير نظامها إذا استلزم الأمر. وظاهرة الشركات متعددة الجنسيات ونمو قوتها نتيجة حتمية للتطورات التكنولوجية التي ألمحت إليها.
وفي العشرين سنة الأخيرة، زاد بشدة الحديث عن «العولمة»، وهي ظاهرة وثيقة الصلة بكل ما ذكرته: التطور التكنولوجي، وثورة الاتصالات، وثورة المعلومات، وازدياد قوة الشركات متعددة الجنسيات.
قبل ذلك بدأ الكلام يكثر عن ظاهرة «المجتمع الاستهلاكي»، نعم لقد كنا جميعاً، ودائماً مستهلكين، ولكن المجتمع الاستهلاكي مجتمع يعلي من قيمة الاستهلاك ويعظم من شأنه، وتطغى فيه التطلعات الاستهلاكية على غيرها، ويعاد فيه تقييم الناس والسياسات والنظم بحسب قدرتها على الارتفاع بمستوى الاستهلاك.
في بداية هذا العصر الجديد «أي منذ نحو ستين عاماً» رفع شعار «التنمية الاقتصادية»، في البلاد التي كانت تسمى أولاً «بالمتخلفة» ثم «بالنامية»، انتشر شعار التنمية الاقتصادية انتشار النار في الهشيم، وأصبح معياراً يحدد على أساسه نجاح أي نظام سياسي أو حكومة أو فشلهما، وقامت الانقلابات العسكرية باسمه وسقطت باسمه، ولكن هدف التنمية الاقتصادية لم يكن منفصلا عن ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، فالهدف الأساسي من التنمية هو في النهاية رفع مستوى الاستهلاك، ولم يكن الهدف المسمى «سد الفجوة بين البلاد المتخلفة والبلاد المتقدمة إلا وصفاً آخر لهدف اللحاق بمستويات الاستهلاك السائدة في البلاد الأكثر ثراء».
في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات سقط الاتحاد السوفييتي والنظام الاشتراكي بأسره (باستثناءات قليلة لا أهمية كبيرة لها)، وكان هذا السقوط أيضاً شديد الارتباط بشيوع ظاهرة المجتمع الاستهلاكي وصعود نجمه، إذ ما الذي كان يهدف إليه الثائرون في الدول الاشتراكية في نهاية الأمر إلا الارتفاع بمستوى الاستهلاك إلى ما يقرب من مستواه في الدول الرأسمالية؟ هل كانت الديمقراطية أيضاً هدفاً؟ نعم، بلا شك، ولكن تحقيق الديمقراطية (بشكلها الغربي الذي تطلع إليه الثائرون في الشرق) لم يكن هدفاً بعيداً عن هدف الارتفاع بمستوى الاستهلاك.
ما هي التغييرات التي يمكن أن نتوقعها في حالة الفكر والمفكرين في عصر الثورة الاستهلاكية، وثورة المعلومات والاتصالات، وانتشار نشاط الشركات العملاقة في كل مكان، إذ تفتح أسواقاً جديدة لسلعها وخدماتها وتغري الناس بالمزيد من الاستهلاك؟
الناس في هذا العصر يلهثون وراء المال ووراء المعلومات، والفكر يحتاج إلى التأني ويكره الاستعجال.
الناس في هذا العصر يريدون أن يكونوا «عمليين»، والمهم في نظرهم هو النجاح بمعنى تحقيق نتائج واقعية وملموسة، بينما يريد المفكر أن ينظر وأن يبحث عن الحقيقة بصرف النظر عن النتائج، وسائل الإعلام لا وقت لديها للتحليل والبحث عن الأسباب، فالمهم هو جمع ونقل أكبر كمية من الأخبار في أقصر وقت ممكن، وليس في الوقت متسع لمحاولة «الفهم».
بينما التحليل والبحث عن الأسباب هما بالضبط مهمة المفكر، الناشرون يستعجلون الربح، ويبحثون عن كتابات تكسب عدداً كبيراً من القراء بصرف النظر عن قيمة المضمون، والكتابات المضمونة التوزيع ليست بالضرورة أعمق الكتابات فكراً، والمجلات والصحف والتلفزيون والسينما في ظل التكنولوجيا الحديثة تنفق الملايين وتتوقع أن تحصل على الملايين، ولكن الملايين لا تأتي من عمق الفكر ودقة البحث، بل من جاذبية ما ينشر أو يذاع للجماهير الغفيرة، والجماهير الغفيرة تميل إلى المثير ولو كان سطحياً، وإلى المدهش ولو كان كاذباً.
إن الثورة التكنولوجية وثورة المعلومات والاتصالات وثورة الاستهلاك التي سادت العالم في العقود التالية للحرب العالمية الثانية جعلت من الرجل متوسط الذكاء سيدا وحولت الجمهور الواسع إلى وحش كاسر، وجلبت المكاسب الهائلة لكتاب وفنانين محدودي الموهبة، إلا فيما يتعلق بفن التسويق، والمفكر لا يخاطب الجمهور الواسع بل يخاطب الصفوة، ولكن الصفوة هي بالضرورة محدودة العدد، وليست بالضرورة كثيرة المال، فلابد أن يتضاءل بالتدريج دور المفكر في حياتنا.
عندما كتب الأستاذ جهاد فاضل ينعى ما حدث للفكر العربي لم يكن مخطئاً، فقط أقول له إن الظاهرة عامة، وما حدث ويحدث للفكر العربي حدث ويحدث للفكر في كل مكان.
كاتب مصري