التحركات المكثفة والمتداخلة الجارية، بخصوص الملفات الملتهبة في المنطقة، تلتقي عند قاسم مشترك واحد؛ عنوانه الدور البرّاني. الكل يتوسله ويسعى إليه، بل ويراهن عليه. ويتبدّى ذلك، إما بصورة التوجه إلى عواصم الخارج، وإما بمحاولات وعروض يرفع الخارج رايتها، كمداخل لمعالجة الأزمات، أو على الأقل لتطويق وترحيل مخاطرها.

طلب الحلول أو المساعدة على بلوغها، من خارج الحدود؛ خير وبركة، إذا ما كان ذلك ميسوراً وإذا ما كان يحقق، أو يساهم في بلوغ الغاية؛ ويخدم بالتالي المصلحة الوطنية ويصبّ في تعزيز وحدتها. في هذه الحالة، السعي سليم والخارج مشكور. خاصة عندما يكون الداخل وحده عاجزاً أمام ظروف أقوى منه وأكبر من طاقاته؛ وعندما تكون مساندة الخارج إيجابية.

العطب الذي يشكو منه هذا التوجه، هو أنه يحصل في ظلّ ما يشبه الإسقاط أو الشطب، للتوافق الداخلي؛ الذي لا غنى ولا بديل عنه. الأمر الذي يهدّد الدور البرّاني بالفشل. أو حتى بتحويله إلى صاعق تفجير للجوّاني. فينقلب إلى نقيض المرتجى منه.

الأطراف الفلسطينية، تتنقل بين العواصم الأجنبية والعربية؛ طلباً للعون. الأطراف اللبنانية، هي الأخرى، تتجوّل في العواصم العربية، بحثاً عن مخرج أو فتحة أمل بالانفراج. الصورة ذاتها تقريباً في العراق، الذي يتطلع إلى مؤتمر دول الجوار الأسبوع المقبل في الكويت. طبعاً كل هذه التحركات مهمة ومفيدة. على الأقل هي تبقي طبخة الحلول على النار. بل هي ضرورية. فمصر دورها رئيسي وحيوي. خاصة في هذا الوقت، سواء في موضوع التهدئة أو في قضية المعابر الفلسطينية. أيضاً الدور الروسي الصاعد، هو الآخر، مهم، لاسيما في ضوء دعوة الرئيس بوتين لعقد مؤتمر دولي للسلام في موسكو، قريباً. وكذلك هي الحال بالنسبة للبنان.

دور العواصم العربية مطلوب وأساسي، لتجاوز أزمته. الشيء نفسه ينطبق على العراق، في ضوء التداخلات المعلومة. لكن المفقود في هذا المشهد، هو التواصل الأهلي، المفترض أن يواكب الاستعانة بالخارج. وحدها القطيعة تحكم بين قوى هذه الساحات؛ الباحثة عن الانفراج لمشكلاتها في الخارج. بل أكثر من ذلك علاقاتها تقف على حافة الهاوية. الوضع الفلسطيني صار، على الأرض، وضعين. لبنان بلغ فيه منسوب الاحتقان درجة، باتت معها الخشية من الانفجار حديث الناس.

وفي العراق، عاد الصراع الدموي الداخلي، إلى شيء من سابق عهده. خاصة بعد العودة إلى الخيار الأمني والمواجهات الداخلية، المتعددة الجبهات، التي دخلها الوضع، من جديد. في ظلّ أجواء كهذه، حبل الإنقاذ الخارجي لا يحل محل القطيعة المحلية. خاصة في الساحة الفلسطينية.

كسر الرئيس الأميركي الأسبق كارتر للفيتو الإسرائيلي ولقائه بقيادة «حماس» وبالرغم من اعتراض إدارة الرئيس بوش؛ خطوة ايجابية وطيبة. في أقله هي تعطي شحنة تعزيز لخيار الحوار. كما أنها تمثل نوعاً من الزجر للإملاء والاستعلاء، الإسرائيليين. لكن ذلك، على أهميته، لا ينوب ولا يعوّض عن التصدّع الفلسطيني ـ الفلسطيني. تصحيح هذا الأخير يصبّ في تزخيم المحاولات الأخرى. القاعدة نفسها تسري على الملفات الأخرى جميعها.