إن نظرة إلى الحالة العربية الراهنة، حالة النزاعات المشتعلة والأزمات المنتشرة والتوترات المتزايدة والمترابطة على مساحة الجغرافيا العربية، تظهر أن العالم العربي صار بمثابة مسرح مفتوح لصراعات وتفاعلات الآخرين، ولأجنداتهم وأولوياتهم.
وافتقد العالم العربي إلى الحد الأدنى الضروري للعب دور الفاعل الجماعي إلى جانب الآخرين بشأن قضاياه الإقليمية والدولية، كما أن العالم العربي مستهلك أكثر مما هو منتج، متلق أكثر مما هو مساهم، يقع أو يقبع في أدنى مستويات التنمية بمفهومها الشامل على الصعيد الدولي بين مختلف أقاليم العالم.
بعض أوجه الأزمة البنيوية العربية باعتبار أنها أزمة تطال أسس النظام الرسمي العربي ومستقبله، المخاطر التي تتعرض لها شرعية الدولة الوطنية في حالات ليست قليلة مما يهدد بتفكك الدولة فأزمة الهوية أو الهويات المتصارعة ولو تحت عناوين مختلفة ضمن الدولة الواحدة وحولها وعبرها تضع مستقبل بعض الدول على المحك وتعرضها للتحول إلى دول صورية أو فاشلة.
من أوجه هذه الأزمة أيضا الخلافات المستفحلة بمسببات عديدة وتعبيرات مختلفة حول شرعية بعض النظم العربية في ظل التحولات التي شهدتها مجتمعات هذه الدول وازدياد المطالب بالمشاركة وتوسع القاعدة الشعبية لهذه المطالب وعدم قدرة أو عدم رغبة النظام المعني أو خوفه من استيعاب هذا التغيير من خلال التجاوب معه.
إنها أزمة البحث عن عقد اجتماعي جديد مقارنة مع الأزمة السابقة التي هي أزمة البحث عن عقد وطني جديد وقد تلتقي الأزمتان في حالة واحدة أحيانا. وثالث أوجه هذه الأزمة البنيوية الفراغ الاستراتيجي العربي أو غياب الأجندة العربية المشتركة المدعومة بقدرات التفاهمات العربية لتحديد الأولويات وكذلك لتحديد كيفية إدارة التفاعلات في المنطقة أو التأثير الفعال في إدارة وصياغة هذه التفاعلات.
لقد تراجعت بشكل كبير أو تهمشت عروبة النظام العربي: عروبة الفعل والتأثير السياسي الإستراتيجي المشترك وقدرة التفاعل الايجابي أو السلبي مع الآخر غير العربي وتراجعت هذه العروبة لتبقى على مستوى الشكل المؤسسي العربي دون أي مصداقية سوى «مصداقية» القول والدعوة والمناشدة.
ولا أدل على هذا الوضع من النظر إلى «فعالية» الدور العربي في أزمات المنطقة، إدارة أو تسوية، الأزمات التي تخص حاضر العرب أساسا وتهدد مستقبلهم جماعة وأوطانا، دور شبه غائب كليا يحكمه الخوف من إغضاب هذا الطرف والتخوف من الصدام مع طرف آخر دون القدرة على التحاور الإستراتيجي مع الآخر والهروب من ذلك عبر محاولة الالتفاف على المشاكل ومقاربتها بالتقسيط أو بسياسة رد الفعل.
ذلك كله يعكس غياب الرؤية المشتركة وقبلها غياب الإرادة والرغبة في توظيف الإمكانات المطلوبة أو الحد الأدنى منها بشكل مشترك لخدمة هذه الرؤية حاملة أجندة الأولويات. العصر العربي الآن لم يعد عصر الفعل العربي المشترك بل هو في حقيقة الأمر عصر القول العربي المشترك.
بعض أوجه هذا المشهد السوداوي العربي أيضا أن العالم العربي أولا بحاجة لتوفير ما يقارب من أربع ملايين وظيفة سنويا وأن البطالة تطال 17 مليون إنسان، أضف أن ثلث العاملين هم من الفقراء كما تشير تقارير منظمة العمل العربية، فبعد أن تم النجاح النسبي في السيطرة على النمو الديمغرافي صار العرب الآن أمام تحدي تسديد فاتورة نمو الأمس وقبل الأمس والتعامل بنجاح مع «قنبلة» البطالة وثاني هذه التحديات يتمثل في المستوى المرتفع للأمية التي تطال حوالي مئة مليون إنسان حسب إحصاءات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مما يشكل عائقا رهيبا أمام عملية التنمية.
وثالث هذه الأوجه يتعلق بمستوى التعليم الجامعي العربي مقارنة مع العالم، وفي تصنيف لجامعة شنغهاي الصينية مينى على معايير تعليمية وبحثية ومنهجية لا توجد جامعة عربية واحدة بين الجامعات الخمسمئة الأولى في العالم ومؤشر رابع يتعلق بهجرة الكفاءات أو النزيف البشري النوعي، وتشير دراسة للجامعة العربية أن حوالي سبعين ألف من أصل ثلاثمئة ألف متخرج جامعي يهاجرون سنويا مع ما لذلك من تداعيات اقتصادية سلبية على بلدانهم.
أمام هذا الوضع الكارثي، هنالك نوعان من ردود الفعل الناتجة عن اليأس، اللامبالاة والاستقالة من السياسة والتسليم الطوعي أو القدري بما هو حاصل أو القطيعة الكلية والرفض الشامل للسياسة من خلال التقوقع الفكري في طروحات تبسيطية وغيباوية حاملة لأجوبة جاهزة والحالتان تساهمان في مزيد من الانهيار.
في حين أن المطلوب على مستوى الدولة وعلى مستوى المجتمع هو الانخراط الفاعل والنقدي في السياسة بالمعنى العام والشامل للمفهوم، أيا كانت صعوبات هذا الانخراط وقيوده المختلفة باختلاف كل حالة عربية وكل مقاربة ممكنة. ففي عصر يشهد تزايد أهمية بناء وتعزيز «الإقليمي» كسياج واق للوطني ومعزز لقدرات هذا الأخير على الصعيد العالمي تزداد ضرورة وأهمية إعادة بناء النظام العربي ليس على قواعد العاطفة والشعارات والتنميات والأقوال بل على أساس بلورة تفاهمات في السياسة ومصالح مشتركة في الاقتصاد والاجتماع فمن دون بلورة هذه البوصلة التي تكون بمثابة محرك ومحفز للنظام العربي أيضاً سيبقى المركب العربي تائها تتقاذفه أمواج التحديات العاتية ليغرق في بحر هذه الأمواج بكافة ركابه مع الوقت.
كاتب لبناني