لست من المداحين ولا أحب مدح أحد كما أنني لست من اللعانين ولا أحب لعن أحد، ولست من المطبلين لأية شخصية أو نظام ولا أحب أن أكون مهما علا شأن تلك الشخصية أو ذلك النظام، خاصة وأنني لا استسيغ ولا احتمل العمل مع السلطات في أي بلد كان مهما كانت معروفة بالتقي، إلا أنني أيضا لست من جماعة الذين يكتبون على طريقة ما ينقل أحدهم على سبيل الفكاهة: «فيما إذا لو كان من حيث الذي بلي مولانا»! أي.. كلام لا طعم ولون ولا رائحة له!
رحم الله دولة الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي كانت لديه لازمة كانت تستثيرنا دوما وكنا نتفكه في نقلها في حياته، وهي: لمصلحة ما فيه مصلحة هذا البلد.. إذ كنا نقول يا ليته يفسر لنا أو يشرح لنا أو يفصح لنا مباشرة بمفهوم مصلحة البلد وأين تكمن حتى يريحنا في فهمها على الأقل كما يريد هو، لكنه ذهب رحمه الله إلى لقاء ربه وهو متمسك بتلك اللازمة.
طبعا أنا لا اذكر هذه القضية هنا في باب الذم مطلقا بل فقط من باب تبيان الحال وشرح المقال فللمرحوم دلائله حتما في تلك اللازمة خاصة وان الزمن الذي عشناه في وقتها لم يكن بعد مصطلح «الشفافية» قد اكتشف وانتشر على نطاق واسع كما هو اليوم!
اكتب هذا اليوم وأنا اشعر بحرج شديد في الكتابة عن أي شيء أو أي موضوع بشكل يعبر عن رأيي الحقيقي والكامل بكل شفافية وبالتأكيد خال من أي مديح أو ذم أو لعن، وهذا الأمر ليس وليد البارحة أو في الأسابيع القليلة الماضية بل هو يلازمني واعتقد انه يلازم كل كاتب عربي ومسلم منذ واقعة الحادي عشر من سبتمبر ولا ادري هنا ماذا أقول المشؤومة أو... حتى لا نقع في شبهة الممنوع!
وفي الواقع منذ سنين طويلة بل ربما منذ انخرطت في الكتابة أي منذ ما يزيد على ربع قرن من الآن وأمثالنا يعانون أصلا من مثل هذا الحرج في الواقع، لكنها بات يشتد في الآونة الأخيرة علينا بشكل يكاد لا يطاق ولا يحتمل، إنها حرب الكلمات والمصطلحات كما سماها البعض، وحرب «كي الوعي» كما سماها البعض الآخر!
قبل سنين من الآن اتصل بي مدير إذاعة دولية كنت اعمل فيها وقال لي بالحرف الواحد: إننا نتعامل مع عرفات وبيريس على مسافة واحدة وعليك أن تأخذ ذلك بعين الاعتبار وإلا لا مكان لتقاريرك في نشراتنا!
لم أكن احتمل ذلك طبعا فقدمت استقالتي بعد أيام قليلة فقط، ولكن بعد جلسة عاصفة مع المدير المذكور الذي كنت قد التقيته خصيصا لهذا الأمر في الأشرفية في لبنان الحبيب لأقول له لا يمكنني المساواة بين الضحية والجلاد!
الفدائي، الشهيد البطل المقدام الشهم الشجاع، الناسك العابد، التضامن العربي والإسلامي، المقاومة الممانعة العدو والجهاد.... الخ، من المصطلحات أكاد أخاف عليها من الانقراض، بل أكاد أخاف مما هو اخطر وأمر كما يقول احد الصحافيين الخبثاء بان يأتي علينا يوم يرشح فيه شيمون بيريس نفسه لأمانة الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي والعياذ بالله، أو أن تشطب آيات الجهاد والقتال من القرآن الكريم بقرار ليس حكومي فقط بل وصحافي أيضا بحجة الدفاع عن الموضوعية أو الحياد مثلا... لا سمح الله ولا أبقانا الله أحياء لمثل ذاك اليوم المشؤوم!
من جهة أخرى ففي مثل هذه الأيام تمر علينا الذكرى السنوية المشؤومة والأليمة لما اتفق على تسميته عرفا بالحرب الأهلية اللبنانية ـ نسأل الله ألا يعيدها علينا أمراء الحرب والمحليين والإقليميين والدوليين أبدا ـ والتي ما هي في الواقع إلا مؤامرة محكمة الضبط والربط ضد الشعب اللبناني نتيجة لوقفته المشرفة والفاعلة مع أشقائه الفلسطينيين واحتضانه لكفاحهم العادل.
ومهما قيل ويقال اليوم عن انتهاء تلك الحرب المشؤومة وأنه قد تم التعلم من الدرس أو أن العبرة اللازمة قد اتخذت فإن الحرب على لبنان لا تزال مستمرة بشكل أو بآخر ليس فقط فوق الأرض اللبنانية بل هاهي تنتشر على امتداد الأرض العربية والإسلامية لنفس الأسباب التي عوقب عليها اللبنانيون!
صحيح أن اللبنانيين ليسوا في حالة حرب نظامية مباشرة وانه لا قصف عشوائي على الأحياء السكنية كما كانت الحال في السبعينات والثمانينات وانه لا اغتيالات تتم على الهوية الطائفية في لبنان، إلا أن المؤامرة على لبنان الإرادة الحرة واستقلالية القرار وخصوصا الانتماء القومي والإسلامي حتى بالمعنى الحضاري والحواري لا تزال مستمرة بقوة!
هذا ناهيك عن أن المعركة بأشكالها الحربية قد انتشرت واتسعت لتشمل أقطارا عربية أخرى لاسيما العراق الذي ينهمك في حروب طائفية ومذهبية مقيتة ليست بعيدة عنها أيدي وأدوات وأعين الصهيونية والاستعمار الأميركي الجديد ، فضلا عن انتشار الموجات (التكفيرية) الفكرية والسياسية على امتداد العالم الإسلامي، والتي هي الأخرى ليست بعيدة عن السياسات الظالمة والمجحفة للدول العظمى والتي باعتقاد الكثيرين تتحمل المسؤولية الكبرى في تكون مثل هذه الموجات واتساعها!
لا احد في العالمين العربي والإسلامي مرتاح لسياسات الدول الكبرى لاسيما الغربية منها تجاه قضايا العرب والمسلمين وعلى الخصوص فيما يخص القضية الفلسطينية، وهناك شبه إجماع على أن الغرب وفي المقدمة منه الولايات المتحدة الأميركية يمارس سياسة الكيل بمكيالين ومنحاز بشكل شبه مطلق للسياسات الإسرائيلية.
ويكفي في هذا المجال ذكر اقل المواقف ضررا مباشرا على قضايانا وذلك عندما نسمع تصريحات مثل تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة التي تصرح بـ «إدانة واستنكار» أي عمل فلسطيني مقاوم بدون استثناء حتى إذا كانت العملية عسكرية بحتة وفي ميدان القتال المباشر!
ومثال العملية الفلسطينية الأخيرة واحد مما لا يحصى من الأمثال، هذا فيما لا تتعدى تصريحات المسؤول الأممي على الإطلاق مستوى «الأسف» على سقوط ضحايا حتى لو كانت الخطوة الإسرائيلية من نوع المحرقة المعلنة أي الهولوكوست الفلسطيني بامتياز كما حصل مؤخرا في غزة!!
ومع ذلك كله فنحن محرومون عربا ومسلمين ومسيحيين أو لأي دين أو ملة أو عقيدة انتمينا من إعلان التضامن الصريح مع حق الدفاع الفلسطيني، هذا ناهيك عن مساعدته أو نجدته بالمال أو الغذاء فضلا عن السلاح في وقت يقف فيه الغرب بكل صراحة وبكل وقاحة يمكن تصورها إلى جانب القوات الإسرائيلية الغازية والمعتدية والمغتصبة للأرض والعرض والحقوق متبجحا على الدوام بأنه بذلك يدعم الدولة الديمقراطية الوحيدة في منطقتنا بسبب تعرضها للخطر الداهم والفتاك من قبلنا!
وكأننا نحن الذين نمتلك الترسانة النووية ونحن الذين جئنا إلى هذه المنطقة من وراء البحار البعيدة ونحن الذين جيشنا الجيوش ضد «شعب مسالم» جالس في بيته!
والأدهى من كل ذلك بات أمر التضامن مع الفلسطيني أو العراقي المظلوم والمقاوم «شبهة» بعرف الكثيرين من أهل جلدتنا يعاقب عليها ويتهم المرء فيها بتهمة التحريض على «الإرهاب»، وأخيرا زيد عليها تهمة «التخندق في المحور السوري الإيراني» التي لا يمكن تطهيرها حتى بماء زمزم!
كاتب إيراني