ستون عاماً من الفشل العربي والفلسطيني المتسلسل، هذا هو المغزى الحقيقي عندما تحتفل الأمة اليهودية في منتصف الشهر المقبل بالذكرى الستين لقيام الدولة الإسرائيلية، ومنذ عام 1948 وعلى مدى ستة عقود زمنية وحتى يومنا هذا تنتقل قضية الشعب الفلسطيني داخل الإطار العام للصراع العربي الإسرائيلي من فشل إلى فشل رغم المتغيرات المتلاحقة على الساحة الدولية وصراعاتها.

ابتداءً، تأخر نشوء العمل التنظيمي لحركة النضال الوطني الفلسطيني.. وبعد أن نشأ في مرحلته الأولى اتخذ لنفسه الطريق الخاطئ.

«حركة التحرير الفلسطيني» ـ فتح ـ لم تنشأ إلا بعد مرور عشر سنوات على إعلان إنشاء دولة إسرائيل، والخطأ البنيوي الذي أقيم عليه هذا التنظيم لا يزال ملازماً له حتى اليوم، ويتمثل هذا الخطأ في تبني العمل الدبلوماسي خارج الأرض المحتلة كأسلوب مفضل على الكفاح المسلح في الداخل، وحتى مع قيام «منظمة التحرير الفلسطينية» كتنظيم مظلي يجمع «فتح» مع فصائل أخرى، كان من المحتم، كما حدث فعلاً، أن يؤدي هذا الطريق إلى توريط القيادة الفلسطينية وحركتها في لعبة التآمر بين الأنظمة العربية الحاكمة وصراعاتها الذاتية اللا موضوعية، الأمر الذي ألحق بالحركة الوطنية الفلسطينية أضراراً جسيمة صرفتها عن قضيتها الأصلية، فدخلت في اشتباكات دموية مع النظام الأردني قبل أن تصير طرفاً مباشراً في الحرب الأهلية اللبنانية.

ويمكن القول أيضاً دون مبالغة إن أسلوب المهادنة الدبلوماسية على حساب الكفاح الداخلي في الأرض المحتلة كان خطوة مبكرة على الطريق الذي انتهى بمنظمة التحرير إلى «أوسلو»، ذلك أن العمل الدبلوماسي الذي لا يعضده كفاح ميداني يغري القيادة في أي حركة تحرر بالجنوح إلى الحلول الوسط على حساب ثوابت الهدف الأعظم الاستراتيجي، وهو تحرير الأرض من الاحتلال، ولكن علينا هناك أن نستدرك لنقول إن انحراف القيادة الفلسطينية ليس معناه تبرئة الأنظمة العربية الحاكمة. فخلال العقود الزمنية الستة كانت غالبية الأنظمة ـ ولا تزال ـ تحرص على علاقة تحالفية مع الولايات المتحدة ـ الشريك الاستراتيجي الأكبر لإسرائيل، مما أدى إلى تحجيم الدعم العربي لقضية المصير الفلسطيني.

وفي هذا السياق كان دخول مصر السادات في أول معاهدة سلام عربية مع الدولة اليهودية تحولاً تاريخياً حاسماً، ذلك أن تحييد الدور المصري في سياق الصراع العربي الإسرائيلي أتاح لإسرائيل التفرغ الكامل لتصعيد القمع الدموي ضد الفلسطينيين، فبعد ثلاث سنوات فقط من التوقيع النهائي على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية شنت إسرائيل غزواً شاملاً على لبنان من أجل استئصال الوجود الفلسطيني هناك بشقيه السياسي والعسكري.

كان ذلك قبل ربع قرن. والآن لم يتغير المشهد إلا إلى الأسوأ. فالحالة الاستعمارية الأميركية في أنحاء العالم العربي أصبحت أقوى وأوضح وأشمل من أي وقت مضى، وكذلك أكثر من أي وقت مضى صارت إسرائيل أكثر قرباً من تحقيق حلم استرداد «أرض الميعاد».

وهكذا بعد ستين عاماً تحظى إسرائيل أيضاً بتعاون فلسطيني وعربي في تشديد الحصار على أهل قطاع غزة.