التغيير السلمي والسلس في أحداث الشعوب جرى سهلاً في بعضها عندما عبرت عقبات الحرب إلى التضامن الاجتماعي، ويمثل هذا الاتجاه جنوب أفريقيا التي قادها أشهر سجين في العالم السيد مانديلا، ورغم القسوة والمعاناة التي عاشها من قبل البيض، فقد استطاع أن يعفو عن أعدائه، ويضع التعايش ركناً قانونياً في دستور بلده، ودون محاكمات أو تصفيات لأقسى حكم جلب الفصل العنصري لسنوات طويلة..

يماثل هذا الاتجاه عندما تحررت دول أوروبا الشرقية من الأسر الشيوعي، وباستثناء يوغوسلافيا السابقة، فقد استطاعت تلك الشعوب وضع خياراتٍ بعضها ديمقراطي وآخر فضل الاستمرار بسياسة الحكم السابق لكن ضمن معايير لا تقهر الآخرين أو تلزمهم بفرضيات غير متطابقة مع نظمهم، وهناك متغيرات أخرى جرت في آسيا وأفريقيا، فقد استطاعت اندونيسيا التخلص من الحكومات الدكتاتورية بنظام أقرب الى التطبيقات الديموقراطية، ورغم تباعد جزرها وألوانها الاجتماعية، وتعددياتها العرقية، فقد خرجت إلى الفضاء العالمي بقيمها وتطبيقاتها القادرة على السير بالبلد إلى حياة سلمية مستقرة..

النماذج كثيرة، لكن في الوطن العربي، لا يأتي التغيير سلمياً، فقد أزيحت حكومات دكتاتورية، إما بموت رؤسائها، أو الانقلاب عليهم عسكرياً، أو أزيحوا بقوات أجنبية، والنتيجة استمرار الأسوأ، وحتى في حال الانتخابات التي أوصلت التيارات الإسلامية في الجزائر، وفلسطين، إما تم التضييق عليها، أو رفضها بقوة الجيش، أو التمرد على الحكومة المركزية، كما حدث بين حماس وفتح، ويبقى العراق أسوأ الرموز لتطبيقات ديموقراطية تفرض من الخارج لتفتح نيران المليشيات والهويات العرقية والمذهبية لتشكل خليطاً من الفوضى القاتلة، والمتحاربة، رغم أن شعب العراق من أرسخ شعوب العالم تاريخاً ووجوداً، حتى تجانساً عرقياً..

هل الأسباب في أوروبا الشرقية، أنها جوار حكومات ديموقراطية غنية متطورة، فكان انتقالها السلمي جاء لهذه الأسباب، لكن بالمقابل، الجوار لجنوب أفريقيا متخلف وقد صعدت بنظامها إلى أن تكون نموذجاً لأوروبا رغم الفارق الاجتماعي، وحتى التاريخ والتقاليد، وهذا ما يبطل هذا الرأي..

ثم لو عملنا بهذا الافتراض، فإن دول المغرب العربي أقرب لأوروبا وتجاورها، ومع ذلك لم تصل إلى مستوى التطبيق العملي للديموقراطية الناجحة بل تراوحت بين حكومات عسكرية، ومدنية، لكن بلا مضمون متطور عن غيرها في البلدان النامية..

يبقى السؤال، هل السبب التقاليد الثقافية التي قامت على المدح والهجاء قديماً وحروب أجهزة الإعلام الحديثة وتبعيتها لأكثر من نظام، أم أنها أزمة هوية عندما أصبح الانتماء للعائلة ثم القبيلة، أو المدينة، والحزب والطائفة، جوهر المحرك للصراع فتحول الوطن إلى معسكر نزاعات وتباع فيه المحرمات المناقضة للوطنية والتعايش السلمي ضمن هويات متعددة بوطن للجميع؟ أم الأزمة ارث تاريخي له طابع العنف فقط فكان الشتات الطويل حتى داخل الأرض الواحدة؟.